وصلت الباخرة «الحرية» بالرئيس جمال عبدالناصر والوفد المرافق له إلى جدة ظهر 22 أغسطس - مثل هذا اليوم 1965 - للاجتماع بالعاهل السعودى الملك فيصل ضمن مساعى تسوية الأزمة اليمنية المحتدمة منذ إرسال مصر لقوات إلى اليمن استجابة لطلب قادة ثورتها فى 26 سبتمبر 1962.
كان الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل ضمن الوفد المصرى، ويكشف فى كتابه «سنوات الغليان» عن واقعة غريبة حدثت لحظة دخول الباخرة إلى ميناء جدة، قائلا: «كان جمال عبدالناصر يقف على سطح الباخرة «الحرية»، ويتطلع نحو الميناء الذى راحت الباخرة تقترب منه، فشاهد مدمرة أمريكية تقف على جانب من الميناء، وأبدى ملاحظة مؤداها «أنهم يريدون أن يقولوا لنا إنهم هنا»، ثم كانت ملاحظته الثانية أن المدمرة الأمريكية لم تتبع التقاليد البحرية السليمة لتحية رئيس الدولة الذى يرفرف على «الحرية»، وقام قائد «الحرية» بلفت نظر قائد المدمرة الأمريكية بأنه خالف التقاليد المرعية فى البحار، وطلب منه إيضاحا، وصباح اليوم التالى كتب السفير يحيى عبدالقادر «سفير مصر فى السعودية» مذكرة نصها:
«قدم للسفارة اليوم السكرتير الأول بالسفارة الأمريكية فى جدة، وأبلغ السيد السكرتير الثانى بها ما يلى: 1 - أنه مكلف من قبل حكومته رسميا بإبلاغ أسف واعتذار الحكومة الأمريكية رسميا إلى حكومة الجمهورية العربية المتحدة، عن عدم قيام المدمرة الأمريكية uss.corry الراسية فى ميناء جدة البحرى للتحية الواجبة وإطلاق مدافعها إلى اليخت «الحرية» المقل للسيد الرئيس جمال عبدالناصر، لدى وصوله إلى ميناء جدة البحرى.
2 - ذكر أنه مكلف من حكومته أيضا بشرح ما حدث، وهو أنه كان من المفروض وفقا للقواعد الدولية، أن تقوم الحكومة السعودية بإبلاغ قائد المدمرة الأمريكية بوصول يخت السيد الرئيس وموعد الوصول، إلا أن ذلك الإبلاغ من جانب الحكومة السعودية لم يحدث، وصحيح أن وصول السيد الرئيس إلى ميناء جدة أمر معروف، إلا أن قائد المدمرة الأمريكية كان يجهل موعد الوصول فتعذر عليه أداء التحية الواجبة.
3 - أضاف أنه ينتظر اليوم وصول مدمرة أمريكية أخرى إلى ميناء جدة اسمها uss.fox، وستقوم بإطلاق 21 طلقة تحية لليخت الحرية فى حالة وجود السيد الرئيس فى جدة، ولن تقوم بإطلاق مدافعها لتحية ميناء جدة ذاته، حيث إن السلطات السعودية أفادت السفارة الأمريكية بعدم وجود ذخيرة كافية فى الميناء لتحية المدمرة الأمريكية الجديدة.
4 - ذكر أن المدمرة uss.corry بوصف قائدها أعلى رتبة من قائد المدمرة الأخرى سوف يقوم بأداء التحية لليخت الحرية فى حال رحيل السيد الرئيس بحرا عليه».
يؤكد هيكل، أن قائد المدمرة الأمريكية كتب رسالة اعتذار للقائد العام لأسطول الجمهورية العربية المتحدة جاء فيها: «أقدم لكم أسفى العميق على أن السفينة البحرية الأمريكية كورى لم يجر إخطارها بالوصول المتوقع لرئيس الجمهورية العربية المتحدة أو للقائد العام لأسطولها، أرجو قبول اعتذارى الشخصى عن أى سوء فهم نشأ من تجاهل مراسم الشرف المرعية، وأرجو بكل احترام أن تأذنوا لى بزيارتكم فى أى وقت ملائم لكم، مع كل الاحترام».
يكشف هيكل، أن جمال عبدالناصر طلب من السفير «يحيى عبدالقادر» أن يطلع «عمر السقاف» وكيل الخارجية السعودية على تفاصيل الحادث حتى لا تفاجأ الحكومة السعودية بموقف يحرجها، ووصلت التفاصيل إلى الملك الذى أشار إليها فى بداية جلسة اليوم الثانى من المحادثات فى قصر «خزام» قائلا لجمال عبدالناصر: «والله يا فخامة الرئيس أنتم تعرفون كيف تتعاملون مع هؤلاء الناس».
يتذكر هيكل موقفا خاصا به أثناء الزيارة، قائلا: «قبل أن نتحرك من الإسكندرية التفت الرئيس إلى، وقال لى: يظهر إن عمر السقاف قال لسفيرنا فى جدة، إنه بين آلاف الناس الذين تصوروا أن يصحبهم الرئيس عبدالناصر معه، فإن اسمك بالذات لم يخطر لهم باعتبار ما كتبت واعتبره الملك فيصل معاديا له، وقلت للرئيس إننى على استعداد لأن أنزل من الطائرة خصوصا وأن أسرتى فى الإسكندرية، ولن يسعدنى شىء أكثر من أبقى معهم هذه الأيام، ولم يقبل الرئيس بهذا الاقتراح، وثنى عليه السفير السعودى «محمد على الرضا»، وكان معنا فى الطائرة، وقال: «لا يعقل يا أخى، نحن أخوة وأنت عندنا فى وطنك وبيتك».
يضيف هيكل: «برغم هذه المشاعر الطيبة كادت تحدث أزمة لا داعى لها، فإن الرئيس جمال عبدالناصر وقف يقدم أفراد الوفد المصرى إلى الملك فيصل، وكنا بملابس الإحرام ذاهبين لأداء العمرة قبل أول جلسة للمفاوضات، وحين جاء دورى، فوجئت بالملك يقول: «والأستاذ هيكل بملابس الإحرام؟! ثم أضاف قائلا: لعلها توبة»، ولم أستطع قبول الملاحظة ساكتا وقلت للملك بكل احترام: جلالة الملك، إن الناس يتوبون عن خطاياهم وليس عن آرائهم»، وعندما خرجنا لركوب السيارات إلى جدة نادانى الرئيس، ليقول: لا تنس الهدف الذى جئنا من أجله، قدمنا إلى هنا لحل مشكلة، ولم نجئ لتعقيدها، واعترفت له أنى أفهمه.