بعد 13 عاما على فض اعتصام رابعة العدوية، لم تعد الحكاية مجرد مشاهد من منصة اعتصام انتهت فعالياته في 14 أغسطس 2013، وإنما باتت محطة كاشفة لمسار كامل سلكته قيادات الإخوان الإرهابية تتمثل في خطاب تصعيدي من أعلى المنصة، تحشيد للأنصار، محاولات لفرض الأمر الواقع، ثم فرار عدد من أبرز الوجوه إلى الخارج، ليبدأ فصل جديد من التحريض وإدارة الصراعات التنظيمية بعيدا عن مصر.
فبينما كانت قيادات الجماعة الإرهابية تتحدث أمام المعتصمين بلغة لا تعرف سوى التصعيد، كانت بعض الأسماء تستعد لاحقا للهرب، فيما ارتبطت أسماء أخرى، وفقا لما ورد في التحقيقات والأحكام القضائية، بملفات عنف واغتيالات وعمليات إرهابية وقضايا تحريض. وبعد مغادرة مصر، لم تختف الأدوار، بل تغيرت مواقعها: من منصة رابعة إلى شاشات القنوات، ومن الميدان إلى مكاتب التنظيم في الخارج.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر، قيادات رفعت شعارات الصمود حتى النهاية، انتهى بها الحال خارج البلاد، بينما تركت خلفها أنصارا دفعوا ثمن خطاب التصعيد، وظل بعضهم لسنوات يعيش على وعود لم تتحقق.
من «السلمية» إلى اعتراف من داخل التنظيم
واحدة من أبرز الشهادات التي أعادت فتح ملف طبيعة اعتصام رابعة جاءت من داخل الصف الإخواني نفسه، عندما تحدث أحمد المغير، المعروف إعلاميا بـ«فتى خيرت الشاطر»، عن وجود أسلحة داخل الاعتصام.
المغير تحدث صراحة عن أسلحة نارية وكلاشينكوف وطبنجات وخرطوش وقنابل يدوية ومولوتوف، وقال إن كمية السلاح الموجودة كانت كافية لمواجهة قوات الأمن، كما تحدث عن وجود عناصر مسلحة للتعامل مع القوات أثناء الفض.
هذه الشهادة تكتسب أهميتها من مصدرها؛ فهي لا تأتي من خصم سياسي للجماعة، وإنما من شخصية كانت قريبة من دوائرها، وهو ما يجعلها جزءا مهما من قراءة ما جرى داخل الاعتصام بعيدا عن الرواية الدعائية التي حاولت الجماعة تكريسها لاحقا.
صلاح عبد المقصود.. من وزارة الإعلام إلى قضية سيارات البث
من أبرز الأسماء التي حضرت في المشهد صلاح عبد المقصود، وزير الإعلام في عهد حكم الإخوان، والذي ارتبط اسمه بقضية سيارات البث التابعة للتليفزيون المصري خلال أحداث رابعة.
وبدلا من أن تكون المنظومة الإعلامية أداة لنقل الحقائق إلى المصريين، تحولت سيارات البث إلى جزء من معركة إعلامية حاولت الجماعة من خلالها تقديم صورة واحدة عن الاعتصام إلى الخارج.
وصدر بحق عبد المقصود حكم في قضية الهروب من سجن وادي النطرون، كما صدر بحقه حكم في قضية سيارات البث، لتصبح رحلته نموذجا لمسار أحد أبرز رجال الإعلام في عهد الإخوان من موقع المسؤولية الرسمية إلى خارج البلاد.
علاء السماحي.. من أجواء رابعة إلى «حسم»
علاء علي السماحي واحد من الأسماء التي ارتبطت لاحقا بملف العنف المسلح. ووفقا لما أعلنته السلطات المصرية في قضايا الإرهاب، ارتبط اسمه بحركة «حسم» الإرهابية وبعمليات مسلحة استهدفت شخصيات ومنشآت داخل مصر.
المفارقة أن المشهد الذي بدأ بخطاب تعبوي من منصات الاعتصام انتهى بالنسبة إلى هذه النوعية من القيادات إلى العمل من خارج الحدود، مع استمرار الاتهامات والملفات القضائية المرتبطة بالعنف.
يحيى موسى.. من موقع حكومي إلى قائمة المطلوبين
يحيى موسى يمثل نموذجا آخر للتحول الحاد بعد سقوط حكم الإخوان فالرجل الذي شغل منصبا رسميا متحدثا باسم وزارة الصحة خلال حكم الجماعة، أصبح لاحقا أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت في التحقيقات والقضايا القضائية بملفات الاغتيالات والعنف المسلح.
وصدرت بحقه أحكام قضائية في قضايا إرهاب، من بينها قضية اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، كما أدرج اسمه ضمن قوائم الإرهاب، بينما استقر خارج مصر.
هكذا انتقل الرجل من مكتب حكومي إلى مطاردة قضائية، ومن مسؤولية رسمية إلى العمل من الخارج، في واحدة من أكثر صور التحول دلالة على المسار الذي اتخذته بعض قيادات التنظيم بعد 30 يونيو.
طارق الزمر.. خطاب المنصة ثم الهروب
طارق الزمر كان أحد أبرز الوجوه التي حضرت على منصة رابعة، وارتبط اسمه بالدعوة إلى الاعتصام وبخطاب تصعيدي تجاه معارضي الجماعة.
كان الرجل يتحدث من فوق المنصة بلغة الحشد والتحدي، بينما انتهى به الأمر إلى خارج مصر، ليصبح واحدا من أبرز الأصوات التي واصلت الدفاع عن رواية الجماعة من الخارج.
والقصة هنا لا تتعلق فقط بشخص، وإنما بنمط كامل يتمثل في منصة ترفع سقف الوعود والتهديدات، ثم واقع يفرض على أصحابها مغادرة المشهد والبحث عن ملاذ خارج الحدود.
عاصم عبد الماجد.. التهديد من فوق المنصة
عاصم عبد الماجد كان من أكثر الأصوات حدة داخل اعتصام رابعة، وشارك في الخطاب التعبوي الذي حاول تصوير المعركة السياسية باعتبارها معركة وجود.
وصدرت بحقه أحكام قضائية في عدد من القضايا، من بينها أحكام مرتبطة بأحداث عنف، كما صدر ضده حكم بالإعدام في قضية أحداث شغب مسجد الاستقامة، وورد اسمه ضمن المتهمين في قضية فض اعتصام رابعة.
وبعد سقوط حكم الإخوان، غادر مصر واستقر خارجها، لتتحول منصة رابعة بالنسبة إليه من مساحة لإطلاق التهديدات إلى ذكرى مرتبطة بأحكام قضائية وملفات عنف.
أحمد عبد الرحمن.. من حشد الصعيد إلى الجناح التنظيمي بالخارج
كان أحمد عبد الرحمن من الأسماء التي لعبت دورا في حشد أنصار الإخوان من محافظات الصعيد للمشاركة في الاعتصام، قبل أن يظهر لاحقا ضمن دوائر الإدارة التنظيمية للجماعة الإرهابية في الخارج.
وشغل موقعا قياديا في المكتب الإداري للإخوان خارج مصر، ودخل في صراعات داخلية مع جبهات أخرى على إدارة التنظيم وموارده.
وتكشف قصته جانبا آخر من المشهد، فالهروب لم يكن نهاية الدور بالنسبة إلى قيادات التنظيم، وإنما بداية لمرحلة جديدة من إعادة توزيع المسؤوليات وإدارة الخلافات من الخارج.
محمود حسين.. من الاعتصام إلى إدارة التنظيم
محمود حسين، الأمين العام لجماعة الإخوان الإرهابية، كان من القيادات التي شاركت في مشهد رابعة، ثم غادر مصر بعد سقوط حكم الجماعة.
ومع انتقاله إلى الخارج، أصبح واحدا من أبرز الأسماء المرتبطة بإدارة التنظيم وشبكاته، خصوصا في ظل الصراعات التي ضربت الجماعة بعد 2013.
وهنا تتضح صورة مختلفة عن الهروب فبالنسبة إلى بعض قيادات الإخوان، الخروج من مصر لم يكن انسحابا من المشهد، وإنما انتقالا إلى غرفة أخرى لإدارة التنظيم.
علي بطيخ.. من المنصة إلى صراعات التنظيم
علي بطيخ كان أحد قيادات الإخوان التي شاركت في اعتصام رابعة، ثم غادر مصر وظهر لاحقا في المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الإرهابية.
ومع اشتداد الانقسامات داخل التنظيم، أصبح اسمه مرتبطا بالصراع بين جبهات الإخوان المختلفة، خاصة بعد مقتل محمد كمال، لتكشف رحلته كيف تحولت الجماعة بعد رابعة من تنظيم يحاول الحفاظ على صورة التماسك إلى مجموعات متصارعة على القيادة والمال والنفوذ.
يحيى حامد.. وزير سابق في مواجهة الدولة من الخارج
يحيى حامد، وزير الاستثمار الأسبق في عهد محمد مرسي، غادر مصر بعد سقوط حكم الإخوان، وواصل نشاطه السياسي والإعلامي من الخارج.
وظهر في وسائل إعلام دولية وإخوانية للدفاع عن رواية الجماعة، كما أصبح أحد الأسماء التي تحركت في دوائر العلاقات الخارجية والتنظيمية للإخوان.
وبذلك انتقل الرجل من موقع المسؤول التنفيذي في الدولة إلى موقع المدافع عن تنظيمه من الخارج، في تحول يلخص جانبا من تحولات القيادات الإخوانية عقب 30 يونيو.
محمد عبد المقصود.. من منصة رابعة إلى خطاب التحريض
محمد عبد المقصود كان من الداعمين للاعتصام، وظهر على منصة رابعة في خطاب استهدف حشد التيار السلفي خلف الجماعة الإرهابية.
وبعد مغادرته مصر، واصل ظهوره الإعلامي من الخارج، بينما واجه أحكاما وقضايا مرتبطة بالتحريض والعنف.
قصته تكشف كذلك كيف اتسعت دائرة الاعتصام لتضم شخصيات لم تكن من التنظيم الإخواني بالمعنى التنظيمي المباشر، لكنها دخلت في تحالف سياسي وفكري معه خلال تلك المرحلة.
جمال حشمت.. قيادة التنظيم من الخارج
جمال حشمت، أحد قيادات الإخوان، شارك في فعاليات الجماعة الإرهابية خلال فترة رابعة، ثم غادر مصر، وانتقل إلى العمل التنظيمي والسياسي من الخارج.
وبمرور الوقت، ظهر اسمه ضمن قيادات الإخوان التي حاولت إعادة تنظيم صفوف الجماعة خارج مصر، في وقت كانت فيه الخلافات الداخلية تتسع، والقيادات تتصارع على النفوذ والموارد.
حمزة زوبع.. اعتراف يهز رواية «مرسي سيعود»
من أكثر الشهادات التي هزت صورة الاعتصام، تصريحات حمزة زوبع، المتحدث الإعلامي السابق باسم حزب الحرية والعدالة، التي قال فيها إن قيادات الجماعة كانت تعرف أن الاعتصام لن يعيد محمد مرسي إلى الحكم، لكنها كانت تستخدم التصعيد للوصول إلى نقطة تفاوض.
هذه الشهادة تضع سؤالا مختلفا أمام رواية رابعة: ماذا كان يعرف قادة الجماعة، وماذا كانوا يقولون لأنصارهم؟
فإذا كان بعض قادة التنظيم يعرفون أن عودة مرسي ليست نتيجة واقعية للاعتصام، فإن استمرار خطاب «مرسي راجع» أمام الآلاف يفتح الباب أمام قراءة مختلفة تماما لطبيعة إدارة الجماعة الإرهابية لأنصارها في تلك المرحلة.
عمرو دراج.. الوجه السياسي الذي غادر المشهد
أما عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي الأسبق في حكومة الإخوان الإرهابية، فكان أحد الوجوه التي ظهرت في الاتصالات السياسية التي جرت خلال فترة الأزمة.
غادر مصر لاحقا، واستمر في النشاط السياسي والإعلامي من الخارج، ليصبح واحدا من وجوه الجماعة في مخاطبة المؤسسات والدوائر الغربية.
وتكشف هذه الحالة جانبا مختلفا من رحلة الهروب فبينما ارتبطت أسماء أخرى بملفات العنف والتحريض، اتجهت شخصيات أخرى إلى العمل السياسي والإعلامي والحقوقي من الخارج في محاولة لإعادة تقديم رواية الجماعة دوليا.
13 عاما.. المنصة سقطت والرواية بقيت محل اختبار
بعد 13 عاما، تبقى رابعة واحدة من أكثر المحطات التي تكشف التناقض بين الخطاب الذي خرج من المنصة والمصير الذي انتهت إليه قياداتها.
قيادات هددت بالصمود حتى النهاية غادرت البلاد، وأسماء انتقلت من مواقع الدولة إلى مواقع المعارضة من الخارج، وأخرى ارتبطت بملفات عنف وإرهاب وأحكام قضائية، فيما بقي أنصار التنظيم أمام وعود لم تتحقق.
والأهم أن رواية الاعتصام السلمي أطاحت بها شهادات خرجت من داخل التنظيم، وعلى رأسها شهادة أحمد المغير بشأن وجود أسلحة داخل الاعتصام.