بلبل الزمن الجميل.. 45 سنة مع بوابير الجاز ولقمة العيش ومحبة الناس.. فيديو

الأربعاء، 12 أغسطس 2026 04:20 م
بلبل الزمن الجميل.. 45 سنة مع بوابير الجاز ولقمة العيش ومحبة الناس.. فيديو بلبل الزمن الجميل

كتبت - مرام محمد

أمام فاترينة خشب صغيرة في شارع زين العابدين بحي السيدة زينب، يقف عم بلبل، صاحب السبعين عامًا، منكفئًا على وابور جاز، يصلحه بيدين اعتادتا تفاصيل المهنة، وكأنه يعيد إلى الحياة شيئًا من زمن مضى.

أكثر من 45 عامًا قضاها في إصلاح البوابير، وما زال حتى اليوم يقف في مكانه، أمامه أدواته البسيطة، وحوله ذكريات مهنة تكاد تندثر، وإلى جواره تقف زوجته "منى"، تؤنسه وتسانده من حين لآخر، في مشهد يشبه صفحة من زمن قديم لم تُغلق بعد.

عم بلبل يواصل عمله في تصليح البوابير
عم بلبل يواصل عمله في تصليح البوابير

يعرفه أهل المنطقة جيدًا، وكل من يمر أمام فاترينة الخشب لا يكاد يواصل طريقه قبل أن يلقي عليه التحية، وكأن الرجل لم يعد مجرد صاحب حرفة، بل أصبح جزءًا من ذاكرة المكان وأهله.

"اسمي بلبل محمد مرسي عبد العال، والحمد لله إن الوالدة سمتني بلبل عشان أطلع مشهور.. وإحنا كمان حبّبنا الناس فينا بلساننا الحلو، وجمعناهم حوالينا".

هكذا بدأ عم بلبل حكايته، بابتسامته المعهودة، قبل أن يعود بذاكرته إلى أكثر من 45 عامًا قضاها في مهنة إصلاح بوابير الجاز.

عم بلبل من أمام فاترينة التصليح
عم بلبل من أمام فاترينة التصليح

"من زمان وأنا في الصنعة، أيام ما كان التصليح بجنيه وباتنين وبثلاثة جنيه. اللي يجيب وابور أصلحهوله، واللي يجيب شيشة أصلحهاله، وكمان حصالات الأطفال والأقماع، والحمد لله واقفين ناكل عيش من عرق جبيننا، ما عندناش شغلة غيرها".

مهنة قديمة لم تكن مجرد مصدر رزق بالنسبة لعم بلبل، لكنها كانت حياة كاملة عاش منها هو وأسرته.

بلبل مصلح البوابير
بلبل مصلح البوابير

"المهنة دي من زمن الزمن.. أولادي عاشوا منها، وأكلوا منها، واتعلموا منها واتجوزوا منها. والحمد لله ربينا 3 أولاد و3 بنات من عرق جبيننا".

ولأن المهنة أصبحت جزءًا منه، لا يتخيل عم بلبل يومًا يبتعد فيه عن فاترينة الخشب التي لازمته لسنوات.

عم بلبل (2)
عم بلبل ووابور الجاز

"ما أقدرش أسيب الصنعة دي إلا لما أتوفى بقى.. هفضل فيها لحد ما أموت. في ناس غايتها بوابير الجاز، يتدفوا عليه ويدخلوا بيه الحمام، وفي ناس تقولي: ده مزيكا في دماغي.. أفضل مولّعه كده للصبح، وأنام على صوته.. مزيكا".

يتذكر عم بلبل زمنًا كان فيه الوابور جزءًا أساسيًا من تفاصيل البيت، تطهو عليه الأسر طعامها وشرابها، وكانت النساء تتعلق به وتعتبره من مستلزمات البيت التي لا غنى عنها.

عم بلبل ومحررة اليوم السابع
عم بلبل ومحررة اليوم السابع

"كانوا بيعملوا عليه الأكل والشرب والغلية.. الحريم بتوع زمان كانت تعشق الوابور. الست لما كانت بتجهز بنتها كانت بتجيب لها وابور، وكان بـ16 جنيه. النهارده الوابور بقى بـ1000 جنيه، بس فين بقى؟ كله بيشتغل بالزراير دلوقتي، مش زي الأول.. نَفَس".

ورغم أن زمن البوابير انحسر، لا تزال هناك وجوه تعود إليه بحثًا عن ذكرى لا عن مجرد قطعة قديمة.

وابور الجاز (2)
وابور الجاز

"لحد دلوقتي ناس كويسة بتيجي تصلح بوابير. مرة واحد اشترى مني وابور وقالي: لا، ما تعملوش حاجة.. أنا هحطه في النيش يا عم بلبل، هشيله ذكرى وأتفرج على حلاوته. ناس كتير بتعشق الوابور ده، ما تقدرش تفرط فيه.. يقولي: ده وابور أمي، ده وابور ستي، ذكرى من أبويا وأمي".

ويضحك عم بلبل وهو يتحدث عن علاقته بالوابور، حتى كأنه أصبح رفيقًا يعرفه ويعرف تفاصيله.

بلبل الزمن الجميل
بلبل الزمن الجميل

"الوابور ده لو كان بيتكلم، كان هيقولي: تسلم إيدك يا عم بلبل في التصليحة دي.. حلوة 100 فل وعشرة، لا بيوطي ولا أي شيء".

لكن أكثر ما يعتز به عم بلبل ليس ما يكسبه من المهنة، وإنما الطريقة التي يكسب بها رزقه.

بلبل مصلح بوابير الجاز
بلبل مصلح بوابير الجاز

"بكون مبسوط إني بشتغل وأجيب الجنيه من عرق جبيني، مش بجيبه من هنا ولا من هنا. اللقمة الحلال طعمها عسل، والواحد يحس بالتعب ينام.. ليه؟ عشان كان واقف شقيان طول النهار. تيجي تاكل اللقمة من شقاك، تلاقي طعمها حلو.. وتنام من التعب، عشان طول اليوم واقف على رجلك، تتكلم مع ده وده".

لم تكن كل الأيام سهلة، فهناك أيام عاد فيها إلى بيته بلا شيء تقريبًا، لكنه كان يرى في مجرد العودة سالمًا سببًا كافيًا للحمد.

أدوات عم بلبل
أدوات عم بلبل

"ياما كنت ما بلمش حاجة خالص، أو أرجع باتنين جنيه، أو ما يجيش حاجة خالص.. أقول الحمد لله ورضا وأمشي. طالما خرجت ودخلت سليم في الدنيا، دايمًا أشكر ربنا على السراء والضراء، جالي ما جاليش أقول الحمد لله".

ومن الشقاء تعلم عم بلبل الصبر، ومن التعامل مع الناس تعلم أن المحبة هي الثروة الحقيقية.

وابور الجاز
وابور الجاز

"الحياة علمتني إني أبقى صبور، وعندي طولة بال في تصليح الوابور وفي الكلام مع الناس، عشان في ناس بتضايق الصنايعي. هو ده مالي.. الحب مع الناس هو مالي. لا عايز عربية ولا عمارة، هسيبها وأمشي.. اللي عنده زي اللي معندوش".

ويبدو أن أكثر ما يشغل باله الآن ليس ما سيتركه خلفه، وإنما السيرة التي سيتركها بين الناس.

عم بلبل وابنه وحفيده
عم بلبل وابنه وحفيده

"كل حاجة هنسيبها ونمشي، وأنا معنديش غير الخشبة دي، هسيبها وأمشي.. بس نفسي أسيب سيرة حلوة بيني وبين الناس، يقولوا: الله يرحم بلبل".

حتى مع من لا يملك ثمن الإصلاح، يظل باب عم بلبل مفتوحًا.

عم بلبل وزوجته منى
عم بلبل وزوجته منى

"هو ده الحب.. لو جات واحدة غلبانة عايزة تصلح وابور ومعاهاش، نصلحهولها وما ناخدش حاجة محبة، عشان قلبنا حاببها.. ست فقيرة زينا".

وبعد سنوات طويلة من الكفاح والعمل، لا تكتمل حكاية عم بلبل من دون شريكة عمره، أم محمد، التي ظلت إلى جواره في كل تفاصيل الحياة والعمل.

عم بلبل وزوجته
عم بلبل وزوجته

وحين تبدأ هي الأخرى في سرد حكايتهما، تكشف أن الوابور لم يكن مجرد مصدر رزق، بل كان أيضًا سببًا في بداية قصة حبهما.

وتقول أم محمد: "إحنا نشكر الوابور اللي عرّفنا على بعض. كان عندنا وابور زمان، روحت أصلحه عند بلبل، ومن هنا  اتعرفت عليه، وهو اتقدم لي واتخطبت له وأنا عندي 20 سنة".

عم بلبل وزوجته وابنه
عم بلبل وزوجته وابنه

ومنذ ذلك الوقت، بدأت رحلة طويلة جمعتهما فيها الحياة والعمل وتربية الأبناء، حتى أصبح الوابور جزءًا من حكاية أسرة كاملة.

"الحمد لله كبرنا عيالنا وعلمناهم وجوزناهم من خير المهنة دي".

ولم تكن أم محمد مجرد زوجة تنتظر عودة زوجها من العمل، بل كانت شريكًا حقيقيًا له في تفاصيل يومه.

"إحنا إيد بإيد وضهر بضهر، مع بعضنا دايمًا وبنساعد بعض".

بلبل مصلح بوابير الجاز بالسيدة زينب
بلبل مصلح بوابير الجاز بالسيدة زينب

وبينما يتحدث عن شريكة عمره، يذكر عم بلبل أمنيته التي يتمنى أن يحققها معها:

"نفسي أطلع عمرة أنا والست الطيبة دي.. أم محمد. هي اللي بتطلع الترابيزة بره على الشارع هنا، جدعة وأصيلة معايا. لو تعبت أو احتجت حاجة، بتجري بيّ وما بتسيبنيش".

عم بلبل
عم بلبل

ثم يعود إلى فلسفته البسيطة التي عاش بها عمره كله:

"طول عمري وأنا في الشقى وبس. إحنا بتوع زمان واخدين على الشقى، وما نعرفش نرتاح إلا لما ربنا يسهل. الراحة دي في الآخرة".

"طالما جينا الحياة، نشتغل ونكافح عشان ناكل إحنا وأسرتنا.. وهفضل أشتغل لحد ما روحي تطلع للي خلقها".

وابور الجاز
عم بلبل ومهنة تصليح بوابير الجاز

وفي نهاية حكايته، يعود عم بلبل إلى الشيء الذي يعتبره أغلى ما يملك.. حب الناس.

"أشكر ربنا إنه أنعم عليّ بحب الناس.. هو ده مالي. اللي لسانه حلو بيضم الناس حواليه، واللي لسانه مؤذي محدش بيقرب له".

"ربنا يديمها علينا نعمة ويبعد عننا الوحش.. ودايمًا مصر حلوة وبخير".

ثم يبتسم، وكأنه يلخص حكايته كلها في كلمتين:

"بلبل الزمن الجميل.. وابور الجاز".

عم بلبل ومحررة اليوم السابع (2)
عم بلبل ومحررة اليوم السابع

وسط عالم تتسارع فيه الحياة وتختفي معه كثير من المهن القديمة، اختار عم بلبل أن يظل واقفًا في مكانه، يصلح البوابير ويحتفظ بحكايات الزمن الجميل؛ حكايات البيوت القديمة، والناس البسيطة، ولقمة العيش التي كانت تأتي من حرفة صغيرة، لكنها كانت تكفي صاحبها ليعيش بكرامة ورضا.

لا يملك عم بلبل محلًا فخمًا ولا أدوات حديثة.. فقط فاترينة خشب، ومهنة تعلمها منذ عقود، وابتسامة لا تفارقه، وبضعة جنيهات يعود بها في نهاية يومه.. لكنه يملك شيئًا أكبر: حكاية عمر، وذكريات زمن، ومكانًا لا يزال يحتفظ به في قلوب كل من يعرفه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة