قلبه المريض لا يحتمل دخان الفرن لكنه لا يملك خيارا آخر.. قصة كفاح أبو عبدالله وأسرته داخل غزة.. الأب يواصل العمل لساعات أمام فرن الطين لإطعام 8 أفراد والزوجة تساعده وهي تحتضن طفلتهما المصابة بمرض في القلب

الأربعاء، 12 أغسطس 2026 04:00 م
قلبه المريض لا يحتمل دخان الفرن لكنه لا يملك خيارا آخر.. قصة كفاح أبو عبدالله وأسرته داخل غزة.. الأب يواصل العمل لساعات أمام فرن الطين لإطعام 8 أفراد والزوجة تساعده وهي تحتضن طفلتهما المصابة بمرض في القلب أسرة أبو عبدالله

كتب أحمد عرفة

في أحد أركان مكان النزوح في غرب دير البلح، يقف أبو عبدالله أمام فرن من الطين، يراقب النار وهي تلتهم الحطب وتتصاعد منها سحب الدخان، يقترب من الفرن ليواصل عمله، ثم يبتعد خطوات قليلة عندما يشتد عليه الاختناق، يبحث عن مساحة يتنفس فيها هواء أقل تلوثا، قبل أن يعود من جديد إلى النار.

 

مريض قلب

ليست تلك المسافة القصيرة التي يقطعها أبو عبدالله بعيدا عن الفرن استراحة عادية من العمل، بل محاولة لالتقاط أنفاسه والاستمرار في الحياة، حيث إنه مريض بالقلب، وحذره الأطباء من خطورة التعرض للدخان، ونصحوه بالابتعاد عن استنشاقه، لأن حالته الصحية لا تحتمل ذلك، لكن الظروف التي يعيشها دفعته إلى العمل في المكان الذي يعرف أنه يؤذي صحته، فالفرن هو مصدر رزقه، والعمل فيه هو ما يسمح له بتوفير الطعام والاحتياجات الأساسية لعائلته.

يقول أبو عبدالله إن التوقف عن العمل ليس خيارا سهلا بالنسبة إليه، خلفه أسرة مكونة من ثمانية أفراد تنتظر منه أن يوفر لها ما تستطيع أن تعيش به، وفي ظل الظروف القاسية التي يعيشها النازحون في غزة، لا يستطيع أن يكتفي بالنظر إلى مرضه ويتجاهل احتياجات أطفاله وأسرته.

أسرة أبو عبدالله
أسرة أبو عبدالله

 

انهيار المنزل

منذ أن هُدم منزله، اضطر أبو عبدالله إلى النزوح من شرق دير البلح إلى غربها، حاملا معه ما استطاع من متاعه، تاركا خلفه منزلا لم يعد قائما، وحياة كان يأمل أن تستمر بصورة طبيعية، لكن النزوح لم يأخذ منه البيت فقط، بل دفعه أيضا إلى مواجهة واقع جديد، أصبح فيه تأمين الطعام والاحتياجات اليومية معركة بحد ذاتها، ومن بين كل الأعمال التي يمكن أن يقوم بها، وجد نفسه أمام فرن طين، يعمل لساعات في إعداد الطعام للنازحين، والنار أمامه، والدخان من حوله، ومرض القلب داخل صدره، ثلاثة أشياء لا ينبغي أن تجتمع في حياة رجل مريض، لكنها أصبحت جزءا من يومه.

يعرف أبو عبدالله خطورة الدخان جيدا، كما يعرف أن الأطباء منعوه من استنشاقه، لكنه لا يملك ترف الابتعاد نهائيا عن الفرن، لذلك يلجأ إلى طريقة مؤلمة للبقاء، يعمل، وحين يشعر بأن الدخان يثقل صدره ويصبح التنفس أكثر صعوبة، يبتعد قليلا عن الفرن بحثا عن هواء نقي، يلتقط أنفاسه، ثم يعود إلى عمله مرة أخرى، يكرر ذلك طوال ساعات العمل، يقترب من النار، ثم يهرب من دخانها، يتعب، فيبتعد، يستعيد شيئا من قدرته على التنفس، ثم يعود، وكأن يومه أصبح سلسلة متواصلة من محاولات التوفيق بين أمرين متناقضين أن يحافظ على صحته، ويوفر لأسرته ما تحتاجه للبقاء.

 

الزوجة تساعد في العمل

أبو عبدالله لا يواجه هذه المعاناة وحده، فإلى جانبه تقف زوجته، التي تحاول مساعدته في العمل، رغم أن الظروف دفعتها هي الأخرى إلى الجلوس بجانب الفرن، وفي حضنها طفلتها الرضيعة التي تعاني بدورها من مشاكل في القلب.

مشهد تختصر فيه أسرة واحدة جانبا من قسوة الحياة التي يعيشها النازحون، أب مريض بالقلب يعمل أمام فرن يتصاعد منه الدخان، وأم تجلس إلى جواره لتساعده، بينما تحتضن طفلتها الرضيعة التي تعاني من مشكلة في القلب، لا يبدو المكان شبيها ببيت، ولا تبدو النار مجرد وسيلة للطهي.

بالنسبة إلى أبو عبدالله وزوجته، أصبح الفرن جزءا من معركة البقاء، فهو مصدر الطعام الذي يقدمه للنازحين، ومصدر الدخل الذي يعتمد عليه لتوفير احتياجات أسرته، لكنه في الوقت ذاته يشكل خطرا مباشرا على صحته، خاصة مع مرض القلب وتحذيرات الأطباء من التعرض للدخان، ومع ذلك، يواصل أبو عبدالله العمل ليس لأنه لا يخاف على حياته، بل لأنه يخاف على أسرته أيضا.

يخشى أن يعود إلى خيمته أو مكان نزوحه من دون ما يستطيع أن يوفره لأطفاله، كما يخشى أن يعجز عن تأمين الطعام والاحتياجات الأساسية لعائلته المكونة من ثمانية أفراد، وربما لهذا السبب، يصبح العمل بالنسبة إليه أكثر من مجرد وسيلة لكسب الرزق، فهو واجبا يعتقد أنه لا يستطيع التخلي عنه.

كلما وقف أمام الفرن، يعرف أن صدره وقلبه يدفعان ثمن ذلك، وكلما ابتعد عن الدخان ليلتقط أنفاسه، يتذكر أن أمامه عائلة تنتظر عودته، بين المرض والحاجة، لا يملك أبو عبدالله مساحة واسعة للاختيار، فالطبيب يقول له "ابتعد عن الدخان"، والواقع يقول له "عليك أن تعمل"، وهو يعرف أن جسده يحتاج إلى الراحة، لكن أسرته تحتاج إلى الطعام، يعرف أن قلبه لا يحتمل هذا الجهد، لكن قلوب أطفاله تنتظر منه أن يبقى واقفا، وهكذا يستمر يومه.

 

 


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة