جَزرةُ التهدئة مُعلّقة فى فوّهة بندقية، والخوف من الرصاص يوازى الطمع فى الطعام.. لذا، فلن تحتدم الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ولن تنتهى تمامًا، وسيظلان على أرجوحة الوقت حتى يقتلهما الملل.
سُحِبَت واشنطن إلى الميدان بخديعةٍ مُدبّرة، وإغراءٍ غير محسوب. وتعرف الآن أنَّ المُنازلة خاسرة فى أفضل الأحوال، وكاسرة فى أسوأها، وعليها أن تبحث عن مَخرَج ٍمن متاهتها الدائرية المُغلقة.
وطهران تلقَّت الصفعة القاسية على غير رغبةٍ أو توقّع، وتعادَل لديها الألمُ بدعايات الصمود، وأنها لم تسقط عند قدم عدوّها.
وبقَدر الكُلفة والنزيف، فإنها تتحسّب من اللحظة التى تتحوَّل فيها المواساةُ إلى ملامةٍ فاضحة، والفخر إلى مطالبةٍ صريحة بالثأر، أو بحثِ الديّانةِ القُدَامى عن حقوقهم الضائعة.
باختصار، أشدُّ ما يهابه البيت الأبيض حاليًا أن تمتد المعركة بلا نهايةٍ أو ميقات معلوم، وأخشى ما تخشاه العمائمُ السُّود أن تتوقَّف المُنازعة الهادرة، وتخرس الحناجر، فتنطفئ نارُ الخارج أمامها، وتندلع نيران الداخل لتُطوّقها من كلِّ اتّجاه!
والمُفارقةُ، أنَّ لكلِّ طَرَفٍ ذيولاً وأذرعًا لا تُوافق هواه، وإن اتّضعت له أو تجاوبت معه اضطرارًا.
بالنسبة لترامب، فإسرائيل أقربُ إلى الملالى فى خشيتهم من السلام. ولِبَيت المرشد، فإن حماس وحزب الله وبقية الميليشيات الرديفة يزعجهم التصعيد لا التهدئة.
والجميع يلتزمون بالمفروض عليهم من أعلى، وإنْ راوغوا أو ماطلوا أحيانًا، ويبتلعون المرفوض بعد تجميله شكلاً ومعنى، أو باختلاسِ طَبَقٍ جانبىٍّ من موائد الآخرين، لتحلية الطعم وتغطية مرارته الزاعقة.
لا أحدَ منهم يعترفُ بالواقع، أو يرى الأمور على حقيقتها أصلاً. وإذا تنازَع الكُلُّ المأزوم على النصر وأنكروا الهزيمة، مع عجز أحدهم عن الحسم، فستظل الصورةُ ضبابيّةً فى وعى أصحابها، وإن بدَتْ تفاصيلُها جَليّة للناظرين.
ذهبَ الأمريكيون وراء الصهاينة، فتَأمرَكَتْ المواجهةُ بإرادتهم أو رغمًا عنهم. وحرسُ الثورة استثمروا وقتًا ومالاً وفوضى عارمة لبناء دفاعاتٍ مُتقدّمة، فسقطت الجُدران، وتساقط الشَّرَرُ على معاقلهم التى ظنّوها حصينةً فى فارس!
تجرّأ نتنياهو أخيرًا على المُجاهرة برفض بنود الانتقال للمرحلة الثانية من خطّة ترامب. ويستحيل أن يُقدم على الرفض الفجّ دون تنسيقٍ مُسبَق، وفى غيبة ضوء أخضر من الرجل الذى تُنسَب له الورقة المُمزّقة.
يتشدّد فيما كانت ترفضه فصائل غزة، بعدما رضخ الحماسيون نفسيًّا للوقائع التى تسبّبوا فيها وتهرّبوا منها طويلاً، ليتقبّلوا نزع السلاح المُعطّل فعليًّا، والذى لم يكُن منذ «الطوفان» سوى ذريعة للعدو.
شعرةُ معاوية بين اليمين على الجانبين، ولعبة التخادُم السخيفة بينهما من جديد، فكأنّ الحركة وافقت لعِلمها أنه سيرفض، مثلما كان يحدث العكس فى حالات سابقة.
ولنقرأ تسلسل الأحداث، فأولويات زعيم الليكود انصرفت عن القطاع منذ شهور طويلة، وتوجّهت مباشرة إلى رأس محور المُمانَعة، ثم البقاء وحفظ إرثه السياسى. كان الترتيب هكذا حتى أسبوعين أو أكثر قليلاً، فتبدّل لتعلو الانتخابات على سواها.
ظلّ يطلب زيارة واشنطن ولا يتحصّل على ردٍّ، واضطر للرضوخ مؤخّرًا بصورة لم يفعلها من قبل. مرّر قرارا من حكومته المُصغّرة بشأن دخول لجنة التكنوقراط وقوّة الاستقرار الدولية لغزّة، ويواصل مفاوضات لبنان عن غير قناعة، ويلتزم الصمت والبُعد عن محاولات القفز على أسوار الحرب مع إيران.
وإذ يُسلِّم شمالاً، فالأوقع أنه سيتشدّد جنوبًا، ولن يذهب إلى الصناديق خالى الوفاض تماما، أو فى أجواء طبيعية لا خطر فيها أو غبار حولها.
أى لن ينسحب من القطاع، ولن يدفع التهدئة قُدمًا فى لبنان، وقد تلعب أصابعه فى الخفاء على خطّ التماس الساخن مع الفُرس.
والحزبُ الذى أخرسته النوازل الثقيلةُ لنحو سنتين يُوقِد لهيبَ حناجره مُجدّدًا. ينسبُ الرماديّة الراهنة إلى صفقة إسلام آباد التى انقلب عليها طرفاها، ويُخوّن السلطة الشرعية، ويُحمّل جرائم الدويلة للدولة، ولا يُقدّم حلولاً أو بدائل.
الولايات المُتّحدة تتقدم وتتأخّر فى وجهة خاطئة، ويتداعى للذهن مُجدّدًا قول تشرشل عنها: يُمكنك الاعتماد على أنها تفعل الصواب، بعدما تُجرّب كل الخيارات الخاطئة.
أحدث الإفادات، أن الرئيس يتقبّل التوصّل لتسوية تُسلِّك شرايين هُرمز، ولو على حساب إرجاء الاتفاق بشأن البرنامج النووى، أو عدم التوصّل إلى تفاهمات كاملة فيه.
والخلاصة، أنه يقبلُ العودة لِمَا قبل الاشتباك، من دون التحصُّل على أى شىء من مطالبه. وبعض ذلك ضُمِّنَ بلغةٍ غير صريحة فى مذكرة التفاهم، ففهمه صقورُ الطرف الآخر على معنى العجز والتفريط، وأنه إقرار من الشيطان الأكبر، بانتصار ملائكة الشيعية المًسلّحة!
وأخطر ما فى السياق الراهن، وأكثره إلغازًا، أن إيران عصيّة على التأويل، وتقبل الإفادة وضدّها فى الوقت ذاته. تُصَعِّد مع ضيقٍ شعبى وسياسى، وتُفاوِض بينما يُشتَم المفاوضون ويُتّهمون بالخيانة علنًا، والمُرشد الغائب يتأرجح بين لحظة وأخرى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
نفى أمين مجلس الأمن القومى أى حوار مع الأمريكيين أو مُفاوضة، ورهن الترتيبات محل النقاش مع عُمان بستّة شروط. بعد أيام أُقِيلَ من منصبه، واستُبدِل به محسن رضائى، الوجه الأصولى الأكثر تشدُّدً!
وصرّح الرئيس بزشكيان فى وقت سابقٍ بإشارة إلى خلافات الكواليس، ومساعى حلِّها أو تجاوز تأثيراتها. ثم نُشِرَ خبر عن لقائه بخامنئى الابن.
ليتجدّد الجدل بشأن علاقة الرأس ببقيّة الجسد، ومَن يُدير مشهد الأزمة، وهل تعسكرت الدولة الثيوقراطية أم ما تزال مُعمَّمة، والمرشد أكبر من مُجرّد واجهة لـ»وحيدى» وعائلة الجنرالات.
اختير مُجتبَى لأنه أقرب للصقور، كما أنه ولىّ الدم، ولن يُزايد عليه أحد لاحقا. ونُقِلَت عنه رسائل مُتضاربة، ويستمر خطّ السياسة تحت مظلّته، وينقلب الحرس على التزامات الاتفاق بقرارٍ منه، لا فرق إن كان إيجابيا/ موافقة، أم سلبيا/ امتناع عن المَنع!
كان المضيق مسألة ثانوية، فتقدمت للواجهة. التناقض الأساسى توارَى، والحرب مستمرة بغير ما اندلعت له. ورغبة الأمريكيين فى التهدئة لا تحل الأزمة، إنما تُرجئ الانفجار لمزيدٍ من الاستعداد، وتعويض الفاقد اللوجستى.
يعرفُ الإيرانيون أنها مسألة وقتٍ، ويسعون لاغتنام كل ما يقدرون عليه الآن، إذ التفريط قد يُفجّر تناقضات الداخل المكتومة عقودًا فى وجوههم، ولا طاقة لهم بها أو مقدرة على كَبتها للأبد!
فريق يخشى الحرب، وآخر يفرّ من السلام، وكلاهما بذهنيّة مُتطابقة. دوّامة لن تتوقف عن الدوران، وابتلاع الضحايا، وتجديد الأزمات على فواصل زمنيّة.
والخائف من الحرب إنما يتحضّر لها، كالهارب من التهدئة تمامًا. امبراطورية تُمسك بأهداب حاضرها، وأخرى تستجرّ ماضيها، وكل ما بينهما حطبٌ وضحايا، وأهداف مؤجّلة!