** البنك المركزي: أمريكا ثاني أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر لمصر بـ3.2 مليار دولار خلال 2024/2025
** 2152 شركة برأسمال أمريكي غير بترولي في مصر.. والصناعة تحصل على 37% من قيمة الاستثمارات
** الصين أكبر شريك تجاري لمصر في السلع غير البترولية.. والتجارة بين البلدين تقفز إلى 20.78 مليار دولار
** مليار دولار لمصنع إطارات صيني في السخنة.. ومجمع نسيج بـ130 مليون دولار يخصص إنتاجه بالكامل للتصدير
** وزارة التجارة الأمريكية: سوق مراكز البيانات المصرية يقفز من 278 مليون دولار إلى 694 مليونًا بحلول 2030
إذا كانت الولايات المتحدة والصين تتنافسان على الأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا حول العالم، فإن الأرقام في مصر تكشف عن معادلة مختلفة: القاهرة لا تستقبل استثمارات إحدى القوتين على حساب الأخرى، وإنما توسع علاقاتها الاقتصادية مع الطرفين في الوقت نفسه.
فوفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، جاءت الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر خلال العام المالي 2024/2025، بينما تكشف بيانات الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس عن توسع متسارع للمصانع الصينية في مناطقها الصناعية.
وفي الوقت نفسه، تتجه المنافسة العالمية إلى قطاعات جديدة تحتاجها مصر نفسها، من السيارات والطاقة النظيفة إلى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
وهنا يتغير السؤال من: من يفوز في مصر.. النسر أم التنين؟ إلى: كم تستطيع مصر أن تكسب من الاثنين؟
أمريكا تضخ 3.2 مليار دولار في عام
يظهر الجانب الأمريكي من المعادلة بوضوح في أرقام الاستثمار المباشر. وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري التي تنقلها غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة، جاءت الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر خلال العام المالي 2024/2025 بعد الإمارات.
وضخت الشركات الأمريكية 3.2 مليار دولار خلال العام، بما يعادل 13.8% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر.
وبنهاية يناير 2026، بلغ رأس المال الأمريكي غير البترولي في مصر نحو 2.5 مليار دولار موزعًا على 2152 شركة.
وتوضح بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة أن الخدمات المالية تستحوذ على 38% من قيمة رأس المال الأمريكي غير البترولي، بينما تأتي الصناعة في المرتبة الثانية بحصة 37%، وتمثل شركات قطاع الخدمات 46% من عدد الشركات ذات رأس المال الأمريكي.
ولا يتعلق الأمر بعدد الشركات فقط؛ فالقائمة الأمريكية تضم شركات في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات، من بينها General Motors و3M وCargill وHoneywell وCoca-Cola وPepsiCo، إلى جانب Microsoft وIBM وCisco وOracle في قطاع التكنولوجيا.

انفو
الصين.. 20.78 مليار دولار تجارة والمصنع يدخل المعادلة
وعلى الجانب الآخر، تمنح الصين مصر علاقة اقتصادية ذات طبيعة مختلفة. وفقًا لبيانات رسمية مصرية نشرتها الهيئة العامة للاستعلامات، ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر والصين من 17.37 مليار دولار في 2024 إلى 20.78 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 19.6%، لتصبح الصين أكبر شريك تجاري لمصر في السلع غير البترولية.
وبلغت الواردات المصرية من الصين نحو 19.9 مليار دولار مقابل صادرات مصرية للسوق الصينية بنحو 819 مليون دولار، لكن الأهم بالنسبة لمصر هو محاولة نقل جزء متزايد من العلاقة من الاستيراد إلى التصنيع المحلي.
ومن أبرز الأمثلة مصنع مجموعة Sailun الصينية للإطارات في السخنة باستثمارات تصل إلى مليار دولار، وبطاقة مستهدفة تتجاوز 10 ملايين إطار سنويًا عند اكتمال مراحله.
كما وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عقدًا مع شركة EVERFAR الصينية لإقامة مجمع صناعي متكامل للمنسوجات والملابس في القنطرة غرب باستثمارات 130 مليون دولار، يوفر أكثر من 3200 فرصة عمل مباشرة.
والرقم الأكثر أهمية لمصر هنا هو 100%؛ إذ أعلنت المنطقة الاقتصادية أن كامل إنتاج المشروع مخصص للتصدير.
أي أن المكسب لا يقتصر على دخول رأس المال الصيني، وإنما يمتد إلى استخدام الأراضي المصرية في التصنيع ثم بيع الإنتاج إلى الخارج، بما يعني وظائف وإنتاجًا وصادرات من مصر.
مصر تكسب من اختلاف النموذجين
وتكشف الأرقام أن القاهرة لا تحصل على الشيء نفسه من واشنطن وبكين. فالاستثمار الأمريكي يمتلك قاعدة ممتدة وموزعة على قطاعات متعددة؛ إذ يوجد 2152 شركة برأسمال أمريكي غير بترولي، بينما جاءت الولايات المتحدة ثانية في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2024/2025.

انفو مولد بالذكاء الاصطناعى
أما الصين فتمنح القاهرة تجارة ضخمة إلى جانب موجة من الاستثمارات الصناعية الجديدة، خاصة حول قناة السويس، مع اتجاه بعض المصانع إلى الإنتاج من مصر بغرض التصدير.
ومن ثم فإن اختلاف النموذجين يمكن أن يصبح ميزة لمصر بدلًا من أن يكون اختيارًا بينهما: رأس مال وشركات وتكنولوجيا أمريكية من جانب، ومصانع وبنية أساسية وسلاسل إنتاج صينية من جانب آخر.

انفو مولد بالذكاء الاصطناعى
مراكز البيانات.. مصر تفتح ملعبًا جديدًا للقوتين
وتظهر فرصة أخرى أكثر ارتباطًا بالمستقبل في قطاع مراكز البيانات. وفقًا لتقديرات وزارة التجارة الأمريكية، من المتوقع ارتفاع قيمة سوق مراكز البيانات المصرية من 278 مليون دولار في 2024 إلى 694 مليون دولار بحلول 2030، أي زيادة تقترب من 150% خلال ست سنوات.
وتشير الوزارة الأمريكية إلى أن مصر كانت مرتبطة حتى منتصف 2025 بـ15 كابلًا بحريًا دوليًا عاملًا، بالإضافة إلى ثلاثة كابلات أخرى تحت الإنشاء، معتبرة أن موقع مصر بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا يمنحها فرصة لجذب شركات مراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، وضعت الصين القطاعات نفسها تقريبًا على طاولة التعاون مع مصر، ووفقًا للبيان المصري الصيني المشترك الصادر عن رئاسة الجمهورية في 2 سبتمبر 2026، اتفقت القاهرة وبكين على توسيع التعاون في الاقتصاد الرقمي، بما يشمل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني، بجانب قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحلية المياه وبناء السفن.
وهنا تتحول المنافسة العالمية على التكنولوجيا إلى فرصة استثمارية مباشرة أمام القاهرة: السوق نفسها التي ترى فيها وزارة التجارة الأمريكية فرصة للشركات الأمريكية أصبحت أيضًا ضمن خريطة التعاون التي تتوسع فيها مصر مع الصين.

انفو مولد بالذكاء الاصطناعى
«الاتزان الاستراتيجي».. السياسة وراء المعادلة الاقتصادية
ولا تبدو الاستفادة من الطرفين منفصلة عن السياسة الخارجية المصرية. فالبيان المصري الصيني المشترك الصادر خلال زيارة الرئيس شي جينبينج يؤكد استمرار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين، في الوقت الذي تحافظ فيه مصر على علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة.
وبذلك لا تصبح الأرقام الأمريكية والصينية بالضرورة طرفين في معادلة صفرية.
فمصر حصلت على 3.2 مليار دولار من تدفقات الاستثمار الأمريكي المباشر في عام مالي واحد، وفي الوقت نفسه تستقبل مصانع صينية بمئات الملايين ومليارات الدولارات، بينما تضع أمام القوتين فرصًا جديدة في التكنولوجيا والطاقة ومراكز البيانات.

انفو مولد بالذكاء الاصطناعى
مصر.. الرابح الثالث
من التجارة إلى الصناعة، ومن الطاقة إلى مراكز البيانات، تكشف الأرقام أن المكسب المصري الحقيقي لا يرتبط بتقدم واشنطن على بكين أو العكس.
فوجود 2152 شركة برأسمال أمريكي غير بترولي يمثل قاعدة استثمارية يمكن البناء عليها، بينما تحويل جزء من العلاقة مع الصين من استيراد بقيمة 19.9 مليار دولار إلى مصانع تعمل داخل مصر يتيح فرصة لتقليل الواردات وزيادة الإنتاج والصادرات.
ومع سوق لمراكز البيانات مرشح للوصول إلى 694 مليون دولار في 2030، ودخول الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة ضمن مجالات التعاون الدولي، تصبح الجولة المقبلة أكبر من مجرد سباق بين قوتين.
الاختبار بالنسبة للقاهرة سيكون في قدرتها على تحويل الأموال القادمة من الجانبين إلى مصانع وصادرات وفرص عمل ومكون محلي ونقل للتكنولوجيا.
عندها تصبح الإجابة عن سؤال «من يفوز بين النسر والتنين؟» مختلفة: كلما اشتدت المنافسة على الاستثمار والتكنولوجيا، اتسعت أمام مصر فرصة أن تكون هي الرابح من الاثنين.