بينما تتسابق غالبية المهرجانات العربية على استضافة النجوم أو مراكمة العروض الأولى والأبرز أو الكبرى، اختار مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أول فيلم – أن يوجّه بوصلته نحو تجربة سينمائية عربية اكتسبت مكانتها عبر التراكم لا عبر الصدفة، إذ خصّص احتفاءً واسعاً للسينما التونسية بدا أقرب إلى محاولة لقراءة أسباب حضورها المتميز، أكثر منه مجرد تكريم رمزي.. وهو توجه يعكس تحولاً لافتاً في فلسفة بعض المهرجانات العربية، من الاحتفاء بالأسماء والنجومية إلى الاحتفاء بالتجارب السينمائية بوصفها نماذج تستحق القراءة والتحليل، بما يعزز دور المهرجان كمنصة ثقافية لا تكتفي بالعرض بل تساهم في إنتاج المعرفة السينمائية. فالبرنامج الذي امتد من العروض الاستعادية إلى الندوات واللقاءات المفتوحة والمشاركات التنافسية، كشف عن إدراك بأن التجربة التونسية لم تعد تمثل مدرسة سينمائية فحسب، بل أصبحت إحدى أكثر التجارب العربية قدرة على إنتاج خطاب سينمائي متماسك، يوازن بين الحس الجمالي والاشتباك مع الأسئلة السياسية والاجتماعية والوجودية، دون أن يقع في فخ الشعارات أو الاستعراض البصري.
هذا الاحتفاء يكتسب دلالة إضافية إذا ما وضع في سياق هوية مهرجان عمّان نفسه، الذي تأسس على فكرة الاحتفاء بالبدايات السينمائية واكتشاف الأصوات الجديدة. فالسينما التونسية لم تتوقف عن تجديد نفسها، وهو ما تؤكده مشاركتها بثلاثة أعمال في مسابقات الدورة، فبينما ينافس فيلم آمال قلاتي "وين ياخذنا الريح" في المسابقة العربية للأفلام الروائية الطويلة، يحضر فيلما يوسف هندوس "مكان أنتمي إليه" ويوسف القرمازي "ما لم تأخذه الشمس" في مسابقة الأفلام القصيرة، بما يعكس استمرار تدفق أسماء جديدة تحمل رؤى مختلفة، لا تعيش على إرث الأجيال السابقة، بل تحاول إعادة تعريفه وتطويره. هذه القدرة على تجديد الدماء باستمرار ربما تمثل أحد أهم أسرار تماسك السينما التونسية، إذ لم ترتبط بمرحلة أو أسماء بعينها، إنما بنت تقليداً يسمح لكل جيل بأن يضيف صوته الخاص إلى التجربة.
يكتمل المشهد التونسي في هذه الدورة باختيار فيلم "صوفيا"، أحدث أعمال الممثل والمخرج ظافر العابدين، لافتتاح المهرجان، وهو اختيار يحمل دلالة تتجاوز قيمته الاحتفالية. فإسناد فيلم الافتتاح إلى عمل تونسي يعكس ثقة إدارة المهرجان في قدرته على مخاطبة جمهور واسع، وفي الوقت ذاته يؤكد أن السينما التونسية لم تعد تُختزل في أفلام المهرجانات ذات الطابع النخبوي، بل أصبحت قادرة أيضاً على تقديم أعمال تراهن على التواصل مع الجمهور دون التفريط في مستواها الفني. كما يمنح هذا الاختيار حضور ظافر العابدين بعداً مختلفاً، بوصفه فناناً يسعى إلى ترسيخ مشروعه خلف الكاميرا، مستفيداً من خبراته المتراكمة كممثل عربي ودولي، في تجربة تعكس أحد أبرز تحولات السينما التونسية المعاصرة، حيث تتقاطع الخبرة الاحترافية مع الطموح إلى إنتاج سينما أكثر انفتاحاً على الجمهور، دون أن تنفصل عن هويتها الثقافية. تبرز هنا معادلة بالغة الأهمية، تتمثل في قدرة السينما التونسية على الجمع بين الطموح الفني وإمكانية الوصول إلى جمهور أوسع، وهي معادلة تسعى إليها كثير من السينمات العربية دون أن تنجح دائماً في تحقيقها.
لكن القيمة الحقيقية للاحتفاء لا تكمن في عدد الأفلام المشاركة، إنما في الطريقة التي صاغ بها المهرجان صورة السينما التونسية. فالبرنامج الاستعادي لم يكن مجرد استحضار لأفلام نالت جوائز أو حققت حضوراً دولياً، بل بدا كأنه يقترح سردية كاملة لتطور هذه السينما. فمن "صمت القصور" لمفيدة التلاتلي، الذي أعاد صياغة علاقة السينما العربية بقضايا المرأة والذاكرة، إلى "الستار الأحمر" لرجاء العماري، و"آخر فيلم" للنوري بوزيد، و"نحبك هادي" لمحمد بن عطية، و"على كف عفريت" لكوثر بن هنية، وصولاً إلى "اغتراب" لمهدي هميلي، تتشكل خريطة تكشف كيف ظل هاجس الحرية، بأشكالها المختلفة، المحرك الأبرز للسينما التونسية، سواء كانت حرية الفرد، أو الجسد، أو الذاكرة، أو التعبير الفني نفسه. لعل ما يميز هذه المسيرة أن الحرية لم تُطرح كشعار سياسي فحسب، بل تحولت إلى خيار جمالي وفني انعكس على بناء الشخصيات، وطريقة السرد، واللغة السينمائية نفسها.
لم يقتصر هذا التناول على استعراض الأفلام، بل امتد إلى مناقشة السياقات الفكرية والاجتماعية التي تشكلت فيها، من خلال ندوة بعنوان "السينما التونسية بين المجتمع والسياسة" أدارها المخرج اللبناني هادي زكاك، شارك فيها المخرجة والمنتجة مفيدة فضيلة، الباحثة والناقدة لمياء قيقا، المخرج مهدي برصاوي. قدمت الندوة قراءة لتطور السينما التونسية بوصفها مرآة للتحولات التي شهدها المجتمع، وتوقفت عند العلاقة المعقدة بين التعبير السينمائي والواقع السياسي، وكيف نجح صناع السينما في تونس في تحويل الأسئلة الاجتماعية والسياسية إلى لغة سينمائية قادرة على الوصول إلى الجمهور المحلي والدولي دون أن تفقد خصوصيتها. أظهرت النقاشات أن خصوصية التجربة التونسية لا تكمن فقط في جرأة الموضوعات، بل في استمرار الحوار بين السينما والمجتمع، بما يجعل الفيلم جزءاً من النقاش العام لا مجرد انعكاس له.
لعل أكثر ما يلفت الانتباه أن المهرجان لم يقدّم الأفلام التونسية بوصفها آثاراً مكتملة تنتمي إلى الماضي، بل أحاطها بمساحات للنقاش والتفكير. هذا ما أكدته الندوة المذكورة، بما نقل الاحتفاء من مستوى المشاهدة إلى مستوى التحليل، وطرحت أسئلة تتجاوز الأفلام ذاتها إلى البيئة التي أنتجتها: كيف استطاعت تونس أن تبني تقاليد سينمائية راسخة؟ ما الذي جعل مخرجيها ومخرجاتها يحافظون على حضورهم في أهم المهرجانات الدولية؟ هل يكمن السر في منظومة الدعم، أم في جرأة الخطاب، أم في العلاقة المبكرة مع الإنتاج المشترك الأوروبي؟ .. إنها أسئلة لا تخص التجربة التونسية وحدها، بل تمس مستقبل السينما العربية بأكملها.
تكتسب هذه الأسئلة أهميةً إضافيةً؛ لأنها تطرح نموذجًا عربيًا يمكن مقارنته بتجارب أخرى ما زالت تبحث عن توازنٍ بين الإبداع الفردي واستدامة الصناعة.
في السياق ذاته، جاءت اللقاءات المفتوحة مع هند صبري ودرة بوشوشة لتكمل الصورة من زاويتين مختلفتين. فهند صبري لم تعد مجرد ممثلة تونسية ناجحة، بل تحولت إلى نموذج لفنانة عربية استطاعت أن تعبر بين أكثر من صناعة سينمائية، وأن تحافظ، في الوقت ذاته، على حضورها الثقافي والفني. أما درة بوشوشة، فتمثل الوجه الأقل ظهوراً والأكثر تأثيراً في التجربة التونسية، إذ لعبت، عبر مسيرتها الطويلة، دوراً محورياً في دعم مشاريع المخرجين الشباب، وفتح قنوات الإنتاج المشترك، وربط السينما التونسية بشبكات التمويل والمهرجانات الدولية، وهو ما يذكّر بأن ازدهار أي سينما لا تصنعه المواهب وحدها، بل أيضاً المنتجون والمؤسسات والرؤى الثقافية بعيدة المدى. فالتجربة التونسية تؤكد أن النجاح المستدام هو نتاج منظومة متكاملة تتعاون فيها الدولة والقطاع الثقافي والمنتجون والمهرجانات، وليس ثمرة نجاحات فردية متفرقة.
لذلك، فإن ما قدمه مهرجان عمّان يتجاوز فكرة "الاحتفاء ببلد"، إلى الاحتفاء بنموذج عربي استطاع أن يبني لنفسه هوية سينمائية واضحة، وأن يحافظ عليها رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة. ربما لهذا السبب جاءت السينما التونسية في قلب هذه الدورة، لا باعتبارها تجربة مكتملة أو معصومة من الأزمات، بل لأنها ما تزال قادرة على طرح الأسئلة، وتجديد أدواتها، وإنتاج أصوات جديدة، وهي الصفات ذاتها التي يسعى مهرجان "عمان - أول فيلم" إلى اكتشافها والدفاع عنها. هنا تكمن المفارقة الجميلة، فبين مهرجان يحتفي بالبدايات، وسينما لا تتوقف عن اختراع بدايات جديدة، بدا هذا اللقاء أكثر من مجرد تقاطع في البرنامج، بل حواراً بين مشروعين يؤمنان بأن مستقبل السينما يبدأ دائماً من الجرأة على التجريب، لا من الاطمئنان إلى ما تحقق.