حازم حسين

مافيا الفيفا.. ودروس الفراعنة

الخميس، 09 يوليو 2026 02:00 م


أنجز أولادنا ما عليهم، وزادوا عمّا توقّعناه. بل لم يكن أشدّنا تفاؤلاً يُمنّى نفسه بمَا وصلناه، وبالابتعاد هكذا عن خبراتنا غير الإيجابية فى ثلاثِ نُسَخ سابقة، وعن ذاكرةٍ حزينة تصحبنا منذ تجربتنا الافتتاحية 1934.

عبرنا المجموعات ثانيًا، وكنّا نتصدّر مجموعتنا للأمتار الأخيرة. تخطّينا أوَّلَ الأدوار الإقصائية على حساب أستراليا، رغم الفوارق البدنية وخشونة اللقاء.

أحرجنا حاملَ اللقب فى ثُمن النهائى، وفرضنا عليه شخصيتنا فى تسعة أعشار المُباراة. كسبنا احترام العالم، مع سحابةٍ رماديَّةٍ تركناها تُظلّل ملاعب البطولة، وتُكلِّل رؤوس القائمين عليها بشبهاتٍ، أدناها التواطؤ والانحياز.

لستُ ميّالاً بطَبعى لنظرية المُؤامرة؛ لا لأنَّ معى ما يضحدها، أو أمتلك دليلاً على نقيضها؛ إنما لأنها أخطرُ علينا فى رأيى من الهزيمة، وأكثر إضرارًا بنا فى الحال والاستقبال من أية مواجهة نتعثّر فيها، ومن كلِّ نتيجة لا تعجبنا، أو تقلّ عن طموحنا وما نستطيعه.

لنا حقًّ الضيق والاستهجان، ولنا أن نهجو الفاسدين ومُغتَصِبى الحقوق؛ إنما علينا أيضًا أن نتوقّف أمام ذواتنا، ونراجع ما كان، وما ينبغى أن يكون. وأن ننظر بعُمقٍ وتجرُّدٍ لِمَا أحرزناه بالسعى والتوفيق معًا، وما عجزنا عنه لقصورٍ فى الأدوات، أو غيبةٍ للمشروع، وغلبةٍ للارتجال أحيانًا.

ولا أحب أن أُهوّل أو أهوّن؛ لكننى قبل الأمرين لا أُريد أن أخسر مرّتين: الأولى بنتيجة المباراة وفقدان تذكرة الصعود، والثانية تتهدّدنا بتفويت الدروس، وبألّا نرى الأخطاء والثغرات، ونعمل على مُداواتها، مع الإقرار بأن منظومة الفيفا مُختلّة، وربما فاسدة بالمُطلَق.

وبشكلٍ عام؛ فالاتحاد الدولى ليس مُؤسَّسةً شريفة، وكل ما يُنسَب لرئيسه السابق، السويسرى جوزيف بلاتر، نقطةٌ فى بحر ما يُطوّق عنقَ مواطنه وخليفته جيانو إنفانتينو؛ حتى لَتَشعُرَ بمُجرّد رؤيته أنه قادم من عالم المافيا، طاويًا فى جَيبِه صحيفةَ سوابقه، مع قائمةٍ لا حصر لها من الصفقات المُشبوهة والثروات القذرة!

ولا نحتاج هنا إلى ظنٍّ وتخمين، فقد تكفّل القابضون على المؤسسة بالتدليل، وأثبتوا التهمة على أنفسهم من غير عناءٍ، وآخر الوقائع قبل وقيعتنا بيومٍ، مع رفع الإيقاف عن اللاعب الأمريكى فولارين بالوجون، عقب طرد مباشر أمام البوسنة، وقبل لقاء بلجيكا.

وفضلاً على أنها سابقة مُشينة، وتخصم من نزاهة البطولة وإدارتها، كما تُقوّض مبدأ العدالة واطّراد القاعدة؛ فإنها دُفِعَت بإملاء سياسى فَجٍّ، وماسٍّ بكرامة الاتحاد ورئيسه، بعدما صرّح ترامب بأنه تدخّل مباشرة. وكان الأول قد اخترع جائزة سلام وأهداها للثانى تعويضًا عن نوبل، ويبدو أنها كانت بالأمر أيضًا.

يتفوّق الفيفا على الأُمَم المتحدة فى العضوية، وعلى كل الفعاليات الرياضية وغير الرياضية ذات الصفة الدولية فى العوائد والثروات، وفى احتكار التحصُّل عليها وتحديد مصارفها.

يضع نفسَه فوق القوانين المحلية، يُحيّد الحكومات وأنظمة التقاضى الوطنية؛ إلَّا فى حدود ضيقة ومُقيّدة، ويستبدّ باللعبة الشعبية الأكبر والأكثر توليدًا للربح.

تأسَّس قبل أقل من قرنٍ وربع القرن، وتحديدًا فى مايو 1904، وخلال تلك العقود الطويلة تعاقب عليه تسعة رؤساء، مع بضعِ فترات مُؤقَّتة. أربعة فقط شغلوا المنصب لثمانية وثمانين عامًا كاملة!

قضى جول ريميه قرابة أربع وثلاثين سنة، وجواو هافيلانج أقل بعشر سنوات، وثلاثة عقود لستانلى روس وجوزيف بلاتر، وعقدٌ حتى الآن لإنفانتينو، مع فرصٍ عالية فى ولايةٍ رابعة تُبقيه عامين بعد الكأس المُقبلة.

وللمُقاربة؛ فقد شهدت واشنطن فى الفترة نفسها 21 رئيسا، ومصر 12 حاكمًا بين الخديوية والسلطنة والملكيَّة والرئاسة، باستثناء قيادة ثورة يوليو والمجلس العسكرى.

أمَّا سويسرا، بلدُ المقرِّ حاليًا؛ فمرّ عليها، منذ تدشين الاتحاد فى باريس لليوم، واحدٌ وتسعون عضوًا بالمجلس الفيدرالى الحاكم، بمتوسط 13 مجلسًا من سبعة أعضاء، يتداولون الرئاسة التنفيذية بينهم سنويًّا.

وعلى صعيد النتيجة؛ فالخسارة لا تعودُ لضَعفٍ أو فشلٍ بالمرّة. بالعكس؛ فقد هُزِمنا لأننا كُنّا أقوياء بأكثر مِمّا نعرفُ عن أنفسنا، أو نطيق احتماله والسير به تحت الضغوط القاسية.

وبالأحرى؛ هُزِمنا من فَرْط النجاح، بينما لم يُجَهَّز له اللاعبون ذهنيًّا وبدنيًّا، ولم يستوعبوه فى الزمان والمكان المُناسِبَين، وتلك كانت المُشكلة، أو لعلّها أعظم المشكلات.

نزلنا الملعب مهزومين نفسيًّا، وأقصى ما يُداعب مُخيَّلة اللاعبين التمثيلُ المُشرِّف، وألا تكون الخسارة ثقيلة. والدليل؛ أننا حافظنا على تماسكنا لنحو ثمانين دقيقة، وانهرنا فى عَشرٍ فقط!

أحرزنا الأوَّلَ، فالثانى بعد هدفٍ مُلغَى، وتصدّى شوبير لركلة جزاء.. وعندما ردّ مُنتخب الأرجنتين، أحسّ لاعبونا كما لو أن الخصم كان نائمًا واستيقظ.

والحقّ؛ أنَّ مُنافسينا لعبوا بكامل طاقتهم، بمَن فيهم "ميسى" وبقيّة المُهاجمين، والخسارة كانت أقصى ما يقدرون عليه، وفوزهم أثمنُ ما يُمكن أن يُقدَّم لهم مجانًا.

وللأسف؛ فإنها عقلية التمثيل لا النديّة، الحضور لا المُنافسة. ومعها يُمكن القول إننا خسرنا مع أول أهداف الخصم لا آخرها؛ بل أعودُ بالأمر إلى أول أهدافنا نحن، لأنه لم يُعزّز الثقة، ولم يُحفّز على المزيد، وظلّ فى وعى الفريق من قَبيل الاستثناء لا الاستحقاق.

وعن الحَكَم؛ فقد كان مُنحازًا قطعًا. ارتكب أخطاء فادحة، أكثرها مُتعَمَّد. ألغى هدفنا على مُخالفة بعيدة وقتًا ومكانًا، وما فعل مع المنافس، وكذلك فى ضربة جزائهم، وفى الأخطاء وبطاقات الإنذار ومُراجعة الفيديو.

وأرُدُّ الأمر لاعتباراتٍ نفسيّة عِدّة، من دون أن أنفى ما يتردَّد من شبهاتٍ وشكوكٍ، فالكُرة لا تخلو من وقائع رشوة وشراء ضمائر قديمًا وحديثًا.

أمّا السبب كما أراه؛ فأنَّ الفرنسى "ليتكسير" كان واقعًا تحت تأثير هالة "حامل اللقب"، وثِقله المادى والمعنوى، وضغط أن يكون سببًا فى مُغادرته. ولعلّه من مُشجِّعى راقصى التانجو، أو مُغرَمى "ميسّى".

ويُحتَمل التوجيه أيضًا؛ لاعتبارات اقتصادية تسويقية، أو لأسباب سياسية. ومع الفيفا عمومًا، ومجلسه ورئيسه الحاليين؛ فكلُّ الاحتمالات واردة، حتى أبشعها على الإطلاق.

أجادَ المُنتخب جميعًا، وباتت البطولة وراءنا، وعلينا أن نتخطّى مرارتها، من دون التفريط فى حلاوتها، ولا أن ننشغل بها عن العناية الواجبة بالحاضر والمستقبل.

وإن كانت الفيفا مافيا؛ فلدينا دروس واجبة الاستيعاب.. قد لا تتغير المنظومة قريبًا؛ لكنّنا أدركنا نُسخة مُحدّثة منّا، وقادرون على الاستمرار والتكرار، والذهاب دومًا لأبعد مِمّا نتخيّل أو يُرَاد لنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة