لم تعد الخلافات داخل جماعة الإخوان تقتصر على الصراع حول المناصب أو السيطرة على القرار التنظيمي، وإنما امتدت بصورة واضحة إلى الأموال والاستثمارات والأصول الموجودة خارج مصر، لتكشف التسريبات والاتهامات المتبادلة بين أجنحة الجماعة عن صراع آخر يدور بعيدًا عن الشعارات التي ترفعها قيادات التنظيم أمام قواعدها.
محمود حسين.. من قيادة التنظيم إلى صراع الملايين
وفي قلب هذا الصراع يبرز اسم محمود حسين، أحد أبرز قيادات الجماعة، والأمين العام السابق لها، والقائم بأعمال المرشد، والذي ارتبط اسمه بما يعرف بـ«جبهة إسطنبول»، وسط اتهامات داخلية تتعلق بإدارة أموال التنظيم واستثماراته في الخارج.
تسجيل صوتي من داخل الجماعة.. اتهامات بالاستيلاء على الأموال
ومن أبرز الوقائع التي تكشف طبيعة الصراع الداخلي تسجيل صوتي منسوب إلى أمير بسام، عضو مجلس شورى جماعة الإخوان، يتحدث فيه عن خلافات مالية داخل التنظيم، ويوجه اتهامات مباشرة إلى عدد من القيادات، من بينهم محمود حسين ومحمود الإبياري وإبراهيم منير.
ويقول بسام في التسجيل، الذي جاء في صورة اتصال هاتفي مع أحد الأشخاص: «إزاي محمود حسين والإبياري وإبراهيم منير ياخدوا الفلوس بالشكل ده»، مضيفًا أن أموالًا جرى جمعها تحت غطاء التبرعات، قبل أن يتحدث عن ملايين وعقارات وسيارات فارهة.
وبحسب التسجيل المنسوب إليه، قال بسام إن بعض القيادات حصلت على شقق وعقارات وسجلتها بأسمائها، معتبرًا أن عدم محاسبة هؤلاء القيادات يمثل أحد أسباب حالة الغضب والانقسام داخل التنظيم.
سيارات بـ100 ألف يورو.. غضب من حياة القيادات
ولم يتوقف التسجيل عند الحديث عن العقارات، إذ تحدث أمير بسام عن سيارات فارهة قال إن بعض قيادات الجماعة يستخدمونها، في الوقت الذي يعاني فيه شباب التنظيم من أوضاع مالية صعبة.
وقال في التسجيل إن بعض القيادات «راكبين عربيات فارهة الواحدة بـ100 ألف يورو»، متسائلًا عن كيفية مواجهة شباب الجماعة في ظل هذا التناقض بين حياة القيادات والظروف التي يعيشها عناصر التنظيم.
وفي مقطع آخر، تحدث بسام عن سيارة من طراز «بي إم دبليو» قال إن محمود حسين يستخدمها، معتبرًا أن قيمة السيارة كان يمكن أن تغطي احتياجات عدد من الطلاب والشباب لفترة طويلة.
لا يشرفني أن أعمل تحت هذه القيادة
وتعكس عبارات أمير بسام في التسجيل حجم الغضب الداخلي من طريقة إدارة التنظيم، إذ قال في ختام حديثه: «لا يشرفني أن أعمل تحت هذه القيادة»، في تعبير عن حجم الهوة التي بدأت تتسع بين بعض أعضاء الجماعة وقياداتها التاريخية.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن شخصية كانت جزءًا من البنية التنظيمية للجماعة، وليس عن خصم سياسي لها، بما يعكس حجم الخلافات التي انفجرت داخل التنظيم حول إدارة الأموال ومصادر التمويل.
أموال الجماعة تتحول إلى سلاح في معارك النفوذ
ومع مرور السنوات، تحولت الخلافات المالية إلى أحد أبرز أسباب الصراع بين أجنحة الإخوان في الخارج، خصوصًا بين جبهتي إسطنبول ولندن، حيث لم يعد الخلاف متعلقًا فقط بمن يتولى القيادة، وإنما امتد إلى الشركات والعقارات والاستثمارات والمنصات الإعلامية المرتبطة بالتنظيم.
وتشير الوقائع التي أثيرت خلال السنوات الماضية إلى وجود صراع على إدارة الأصول والاستثمارات، في ظل اتهامات متبادلة بين أطراف التنظيم بشأن السيطرة على الأموال والممتلكات.
مافيا العقارات.. المال في قلب الصراع
ومن الملفات التي ارتبطت بالخلافات المالية داخل التنظيم ما عرف إعلاميًا بملف «العقار الدوار»، والمتعلق باستخدام عمليات شراء وبيع العقارات في الخارج ضمن ترتيبات مالية وإدارية مرتبطة بعناصر وقيادات في الجماعة.
وظهر اسم محمود حسين في سياق الحديث عن هذه الملفات، في وقت كانت السلطات التركية تراجع أوضاع عدد من المنتسبين إلى الجماعة المقيمين على أراضيها.
وتكشف هذه الوقائع، في مجملها، أن الاقتصاد المرتبط بالتنظيم أصبح أحد أهم مفاتيح الصراع الداخلي، بعدما تحولت الشركات والعقارات والمشروعات إلى أدوات للنفوذ والحفاظ على المواقع القيادية.ولم تقتصر الاتهامات على ملف العقارات، إذ ظهرت شهادات أخرى من داخل الجماعة تتحدث عن طريقة إدارة الملف الإعلامي وأموال القنوات التابعة للتنظيم.
شهادة أخرى من داخل التنظيم تكشف أزمة الملف الإعلامي
ففي مقال نشره عبد الله عزت، أحد قيادات الجماعة، في سبتمبر 2015، انتقد أداء الإخوان الإعلامي بعد عزل محمد مرسي، متحدثًا عن قناة «أحرار 25» وطريقة تمويلها وإدارتها.
وقال إن محمود حسين، الذي كان أمينًا للجماعة في تلك الفترة، كان مشرفًا على القناة، واتهمه المقال بعدم توجيه التمويلات اللازمة لتطويرها، مقابل حديثه عن حصوله على أموال الملف الإعلامي للتنظيم.
محمود حسين.. أحد مهندسي التنظيم الدولي
ويُعد محمود حسين من أبرز القيادات التاريخية داخل جماعة الإخوان، إذ شغل منصب الأمين العام للتنظيم لسنوات، قبل أن يصبح أحد أبرز أطراف الصراع على قيادة الجماعة في الخارج.
ولم يكن نفوذه مقتصرًا على الجانب التنظيمي، بل امتد إلى ملفات المال والإدارة والإعلام، وهو ما جعل اسمه حاضرًا بقوة في الخلافات التي عصفت بالجماعة خلال السنوات الأخيرة.
عندما تتحول الأموال إلى معركة بقاء
ويرى طارق البشبيشى الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أن الخلافات المالية تمثل أحد أهم أسباب الانقسامات المتلاحقة داخل الإخوان، خصوصًا مع تعدد مراكز القيادة وتوزع أصول التنظيم بين عدد من الدول.
وأشار إلى أن القيادات القديمة لا تزال تسيطر على مفاصل رئيسية داخل التنظيم، بما في ذلك الموارد المالية والإعلامية، الأمر الذي يصعب معه إحداث تغيير حقيقي في بنية القيادة.
التنظيم يرفع الشعارات.. وقياداته تتصارع على الأموال
وفي النهاية، تكشف هذه التسجيلات والشهادات، بصرف النظر عن مدى صحة كل اتهام على حدة، جانبًا مختلفًا من الصراع داخل جماعة الإخوان، حيث تحولت الخلافات بين القيادات إلى معركة حول الأموال والأصول والاستثمارات، بينما تحاول كل جبهة إحكام سيطرتها على الموارد التي تمنحها القدرة على الاستمرار والنفوذ.
وهكذا لم يعد الصراع داخل التنظيم مجرد خلاف على «المرشد» أو الموقع التنظيمي، وإنما أصبح صراعًا على المال والنفوذ والأصول، في صورة تتناقض بصورة صارخة مع الشعارات التي ترفعها الجماعة أمام قواعدها وأنصارها.