كرة القدم كاذبة أحيانًا، مخادعة كثيرًا، عادلة على نحو مدهش في لحظات نادرة. وهذه كانت واحدة من تلك اللحظات النادرة.. تأهل المنتخب المصري إلى دور الستة عشر فى كأس العالم، لكن الخبر الحقيقي ليس في التأهل ذاته، بل في الطريقة التي أعادت بها هذه المجموعة من اللاعبين تعريف معنى أن تمثل وطنًا بحجم مصر.. إن هذه "العدالة" في كرة القدم ليست مجرد صدفة رياضية، بل هي تجلٍ لقانون الأخلاق في الرياضة، حيث يُكافئ الإخلاص الجماعي حين يذوب الفرد في فكرة أكبر من ذاته.
لسنوات طويلة، اعتدنا أن نتحدث عن المنتخب باعتباره فريقًا لكرة القدم. أحد عشر لاعبًا ومدربًا وجهازًا فنيًا ونتائج وإحصاءات.. لكن الحقيقة أن المنتخب، في ليالٍ استثنائية كهذه، يصبح شيئًا آخر.
يصبح صورة مصغرة لمصر نفسها. هؤلاء الأولاد الذين نراهم على الشاشات لم يأتوا من شارع واحد ولا من مدينة واحدة ولا من طبقة واحدة.. جاءوا من مصر كلها. من القرى التي لا تظهر على الخرائط التلفزيونية، من المدن التي تصنع الأبطال في صمت، من البيوت التي كانت تؤمن أن الكرة يمكن أن تكون طريقًا للكرامة قبل أن تكون طريقًا للشهرة.. هذا التنوع الجغرافي والاجتماعي للاعبين يحول المنتخب من "نادٍ" للكرة إلى "مختبر" للهوية الوطنية، حيث تتصالح التناقضات وتتوحد الأحلام تحت راية واحدة.
لهذا تحديدًا، كان الناس يشعرون أنهم يشجعون أبناءهم. لم يكن أحد ينتظر معجزة. كان المصريون ينتظرون أن يروا أنفسهم على أرض الملعب: عنادهم، صبرهم، قدرتهم العجيبة على البقاء في المعركة حتى النفس الأخير. ربما لهذا السبب تحديدًا، لا تغيب أغنية شادية الخالدة "حبيبتي يا مصر" عن أي انتصار كبير يحققه المنتخب. فالأغنية لم تعد مجرد عمل فني يسكن الذاكرة الوطنية، بل أصبحت جزءًا من طقوس الفرح المصري ذاتها، ترددها الجماهير في المدرجات والشوارع كأنها نشيد مخصص لكل لحظة انتصار. حين كانت شادية تغني كلمات محمد حمزة ولحن بليغ حمدي، عن عناد الأولاد، لم تكن تصف جيلاً بعينه، بل كانت تلتقط جوهر الشخصية المصرية ذاتها، ذلك العناد النبيل الذي لا يعرف الاستسلام، والذي يجعل أبناء هذا البلد يقاتلون حتى النفس الأخير. في هذه الليلة، بدا لاعبي المنتخب كأنهم يعيدون إلى الكلمات معناها الأول، يثبتون مرة أخرى أن من لم ير هذا الإصرار في عيون أولاد مصر، لم يمر على مصر، وبالتالي لا يمكنه أن يفهم سر بقائها ولا سر قدرتها الدائمة على النهوض والأمل. إن استحضار الفن في لحظات الرياضة يكشف عن "الذاكرة الوجدانية" للشعوب، فالمصري لا ينتصر بالمهارة وحدها، بل بمددٍ من تاريخه وأغانيه التي تحمي روحه من الانكسار.
قبل المباراة بساعات، كان الأمل هو سيد الموقف.. الأمل المصري تحديدًا. ذلك الأمل الذي لا يستند دائمًا إلى الحسابات والمنطق، بل إلى يقين داخلي غامض بأن البلد التي أنجبت كل هذا التاريخ لا بد أن يكون لها موعد جديد مع الفرح.
حين جاء الفرح، إنفجر في مواقع التواصل الاجتماعي، وخرج الناس إلى الشوارع.
لن يفهم هذه الظاهرة إلا من يعرف المصريين جيدًا. فهذا الشعب لا يحتفل كثيرًا، لكنه حين يجد سببًا حقيقيًا للبهجة، يفتح قلبه كله دفعة واحدة. ينزل إلى الشارع كأنه يسترد حقًا قديمًا في السعادة، كما لو كان يقول للعالم إن التعب اليومي لم ينجح، رغم كل شيء، في قتل قدرته على الابتهاج. الأجمل أن الفرحة المصرية لم تكن مصرية فقط. بل كانت كذلك عربية.البهجة امتدت إلى ليبيا والسعودية والإمارات والعراق والكويت والمغرب واليمن والأردن وسوريا وسلطنة عمان والجزائر وتونس.. في المغرب مثلا، اتصل بي أصدقاء قبل المباراة بيوم كامل، أخبروني أنهم يرتبون جلسة المشاهدة كما لو أن منتخبهم الوطني هو الذي يلعب. يحملون العلم المصري ويهتفون لمنتخبنا، لم يكن ذلك مجاملة، بل امتدادًا طبيعيًا لتلك الروح التي صنعها المغاربة حين منحوا العرب جميعًا درسًا تاريخيًا في مونديال سابق: أن نجاح دولة عربية يمكن أن يتحول إلى انتصار وجداني لأمة كاملة.. فالمغرب التي صنعت ملحمتها التاريخية في المونديال، تعرف جيدًا ماذا يعني أن يتحول انتصار فريق عربي إلى مناسبة لرفع رؤوس العرب جميعًا.
أما في غزة، فقد كانت الصورة أكثر عمقًا من أي تحليل سياسي، جميلة وموجعة. هناك، حيث يفاوض الناس الحياة كل يوم، خرجت ابتسامات صغيرة تحت ركام الألم الكبير. احتفل أهل غزة بمصر لأنهم يعرفون أن الفرح العربي لا يُقاس بالمسافات، ولأن الإنسان، مهما أثقلته المآسي، يحتاج إلى لحظة يقول فيها إن الحياة لم تهزمنا بالكامل. إن تلاحم المشاعر عبر الحدود في لحظات الفرح الكروي يثبت أن الرياضة، في أسمى تجلياتها، هي لغة وتتجاوز الأسوار والأسلاك الشائكة، لتعيد صياغة الروابط الإنسانية.
لم تكن الفرحة حكرًا على غزة وحدها، بل امتدت إلى مناطق فلسطينية أخرى، لأن لمصر في الوجدان الفلسطيني مكانة خاصة لا تشبهها أي علاقة أخرى. فهي بالنسبة إلى أجيال كاملة ليست دولة مجاورة فحسب، بل جزء من الذاكرة الوطنية والوجدانية، ارتبط اسمها دائمًا بلحظات الألم والأمل معًا. لذا لم يكن عابرًا أن يذكر حسام حسن فلسطين ويرفع العلم الفلسطيني وهو يعيش لحظة انتصار شخصي وتاريخي، بل ويهدي الشعب الفلسطيني تأهل مصر للدور 16 في كأس العالم. لأن مصر، حين تكون نفسها، لا تنسى أحدًا. ولأن الوطنية الحقيقية ليست جدارًا يعزل الإنسان عن أشقائه، بل جسرًا يجعله أكثر وفاءً لقضاياهم وأحلامهم.
ربما لهذا السبب يبدو هذا التأهل مختلفًا.
إنه ليس مجرد انتقال من دور إلى دور آخر في بطولة كبرى. إنه تذكير قديم ومتجدد بأن المصريين، رغم كل ما يختلفون حوله، يستطيعون أن يجتمعوا على حلم واحد، وأن يكتشفوا فجأة أن بينهم ما هو أكبر كثيرًا من خلافاتهم اليومية.
إن هؤلاء الذين ارتدوا القميص الأحمر لم يكونوا مجرد لاعبين محترفين يؤدون عملهم. كانوا أولاد مصر. لعبوا باسم مصر. ففرحت بهم مصر كلها وفرح معهم أحباب مصر.