ربما لا يغيِّر تاريخ أمةٍ جيشٌ كامل...
وإنما تغيِّره " كلمة ".
و " كلمة الله" ليست كالكلمات.
فكل حرف في القرآن وُضع بميزان، وكل لفظة اختيرت بعلم، وما من تعبير فيه إلا ويحمل من الحكمة ما قد لا تدركه العقول من أول وهلة.
ولهذا، كلما مررت بقوله تعالى:
﴿فَمَا حَصَدْتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾
لا أستطيع أن أمضي.
أشعر أن هذه الآية لا تدعوني إلى قراءتها فحسب...
بل تدعوني إلى الوقوف طويلًا أمامها.
》لقد انشغل كثيرون بعظمة يوسف عليه السلام في تأويل الرؤيا، وهو حق.
أما أنا، فقد شدني فيها أمر آخر...
كيف أدار الأزمة.
فالرؤيا أخبرت الناس بما سيأتي...
أما ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ فقد علمتهم كيف ينجون.
وهنا تتجلى عظمة الوحي.
فالله سبحانه لم يمنح يوسف عليه السلام معرفة سنوات القحط فحسب، بل هداه إلى منهج التعامل معها، وإلى الأخذ بالأسباب التي تحفظ الحياة.
"في سنبله"...
كلمتان فقط...
لكن خلفهما علم.
وخلفهما تخطيط.
وخلفهما احترام لسنن الله في الكون.
ومنذ ذلك اليوم، لم يفارقني سؤال واحد:
لماذا قال الله: "في سنبله"؟
كان يمكن أن يقال:
احفظوه...
أو ادخروه...
لكن القرآن اختار هذه الكلمة بعينها.
وهنا أدركت أن القرآن لا يكتفي بأن يخبرنا...
بل يعلِّمنا كيف نفكر.
ويوقظ فينا السؤال.
ولعل السؤال هو أول طريق المعرفة، وأول خطوة في طريق الحضارة.
لقد كانت السنبلة يومئذ وسيلة لحفظ القمح...
أما اليوم، فهي عندي رمز لمعنى أكبر.
رمز إلى أن الله قد يضع نجاة أمة في تفصيلة صغيرة.
ورمز إلى أن العقل المؤمن لا يمر على الأشياء مرورًا عابرًا، بل يتوقف، ويتأمل، ويسأل.
ولهذا لم يكن عجيبًا أن يدعونا القرآن مرارًا إلى التدبر، وإلى النظر، وإلى التعقل.
إنه يريد عقلًا يبحث...
لا عقلًا يكتفي بما وصل إليه غيره.
ومنذ ذلك اليوم، كلما قرأت:
﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾
لم أعد أسأل:
كيف حُفظ القمح؟
بل أصبحت أسأل:
كم "سنبلة" أخرى تركها الله لنا؟
كم فكرة أهملناها؟
كم سرًا مررنا به دون أن نتوقف عنده؟
كم آية تلوناها، ولم نمنحها حقها من التدبر؟
وكم ظاهرة في هذا الكون تخفي وراءها خيرًا عظيمًا، لأنها ما زالت تنتظر عقلًا يبحث... لا عينًا تنظر فقط؟
لقد كانت السنبلة نباتًا...
ثم أصبحت رمزًا...
وأؤمن أنها يجب أن تصبح " منهجًا " ..
منهجًا يعلمنا أن النجاة لا تكون بالأماني...
بل بالعلم.
ولا بالكسل...
بل بالبحث.
ولا بالاكتفاء بما نعرف...
بل بالسعي إلى اكتشاف ما لا نعرف.
ولعل أعظم ما تعلمته من هذه الآية...
ليس أنها علمتنا كيف نحفظ القمح...
بل أنها علمتنا كيف نوقظ العقل.
وكيف نبحث عن : سنابلنا " !!
سنابل الأفكار...
وسنابل الاكتشاف...
وسنابل البحث العلمي...
وسنابل العقول التي أودع الله فيها خيرًا كثيرًا، لكنها ما زالت تنتظر من يكتشفها ويؤمن بها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد أن نطوي هذه الصفحة ليس:
كيف حفظ يوسف القمح؟
بل:
ما هي سنبلتنا نحن؟
ما الفكرة التي لم نلتفت إليها؟
وما الاكتشاف الذي ينتظر عقلًا يتأمله؟
وما الكلمة التي نمر عليها كل يوم، بينما تخفي وراءها مستقبل أمة؟
لقد تعلمت من هذه الآية أن الله لا يوقظ العقول بالإجابات وحدها...
بل يوقظها أيضًا بالأسئلة.
ولعل أخطر ما أصاب أمتنا أننا حفظنا كثيرًا من الإجابات...
وتوقفنا عن طرح الأسئلة.
ومن يدري...
فلعل بين أيدينا اليوم سنبلةً أخرى...
قد لا تكون سنبلة قمح...
بل سنبلة فكرة...
أو سنبلة علم...
أو سنبلة باحث...
أو سنبلة مشروع..تنتظر فقط
عقلًا يتوقف عندها.