لم تعد معركة الدولة المصرية مع جماعة الإخوان مجرد مواجهة أمنية أو سياسية، بل تحولت إلى حرب أوسع تستهدف الوعي الجمعي وثقة المواطن في مؤسسات دولته.
ومن القضاء والشرطة إلى المؤسسات الاقتصادية والخدمية، تُبنى روايات ممنهجة تهدف إلى تقويض الثقة العامة، وفق ما يؤكده أحمد حميدة، الباحث في شؤون الحركات الإخوانية.
من نقد الأداء إلى إسقاط المؤسسة
يشرح "حميدة " أن الجماعة لا تستهدف قرارًا بعينه ولا ترتبط بملف سياسي محدد، وإنما تمتد إلى كل مساحة تثبت فيها مؤسسات الدولة قدرتها على العمل والبناء. مضيفًا: كلما ظهر إنجاز جديد، تحركت ماكينة التشويه للبحث عن أي مشكلة، وكلما أعلنت الدولة عن مشروع أو خطة تنموية، بدأت محاولات التشكيك في الجدوى والنتائج. مشيرًا إلى أن المسألة تتجاوز النقد المشروع للأداء، لتصل إلى محاولة ضرب قيمة الإنجاز ذاته، وإقناع المواطن بأن ما يتحقق أمام عينيه لا يستحق الاعتراف، وأن مؤسسات الدولة عاجزة مهما فعلت.
حرب الوعي.. أخطر من العنف
وأكد "حميدة" أن أخطر أدوات الجماعة خلال السنوات الأخيرة لا تتمثل فقط في العنف المباشر، وإنما في ما يمكن وصفه بحرب الوعي، من خلال محاولة خلق حالة من انعدام الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، سواء كانت تشريعية أو قضائية أو أمنية أو عسكرية أو خدمية أو إعلامية. موضحًا: أن "استقرار الدولة لا يعني فقط تحسن المؤشرات الأمنية، وإنما يمثل حالة مجتمعية أوسع تقوم على وجود مؤسسات قادرة على أداء وظائفها، ومواطن يمتلك قدرًا من الوعي يسمح له برفض الشائعات وخطابات التحريض. مضيفًا: عندما تعجز الجماعة عن العودة عبر المسارات الطبيعية، تنتقل إلى محاولة إرباك الدولة وإضعاف الثقة في مؤسساتها، لأن إنتاج حالة من الغضب والشك يمكن أن يفتح المجال أمام التنظيم لتقديم نفسه باعتباره بديلًا.
ملايين الدولارات لتمويل ماكينة الشائعات
وأوضح الباحث في شؤون الحركات المتطرفة؛ أن جماعة الإخوان الإرهابية تضخ ملايين الدولارات سنويًا لتمويل شبكة إعلامية عابرة للحدود تستهدف تقويض الاستقرار الوطني وتشويه صورة مؤسسات الدولة المصرية. ووفقًا لوثائق وبيانات رسمية، تبلغ موازنات التمويل المرصودة لعشرات المنصات والقنوات والحسابات الوهمية عشرات الملايين من الدولارات، تُدار عبر شركات وواجهات تجارية لتجنب التجميد والتعقب المالي الدولي. مؤكدًأ أن هذه الأموال الضخمة لا تهدف إلى تقديم معارضة وطنية، بل تترجم إلى عائدات إعلانات بالدولار تتدفق إلى حسابات قيادات التنظيم، لتصبح "سبوبة" تعيش عليها عناصر اتخذت من ضرب الاستقرار الداخلي مصدرًا للرزق.
آليات الاستهداف.. من اقتطاع السياق إلى الذكاء الاصطناعي
وكشف حميدة أن الاستراتيجية تعتمد على الاستغلال الخبيث للأزمات، وتحويل أي حدث طبيعي إلى مادة خام للشائعة. ومشيرًا إلى أن الأمر لا يتوقف عند حدود النقد، بل يمتد إلى صناعة الجريمة الرقمية عبر تعديل الفيديوهات، وتركيب المقاطع الصوتية، واقتطاع التصريحات الرسمية من سياقها، وصولًا إلى استغلال برامج الذكاء الاصطناعي لإنتاج مشاهد زائفة بالكامل تُسند زورًا لمسؤولين ومؤسسات وطنية. مضيفًا: أن الهدف ليس تقديم البديل أو خدمة المواطن، بل إحداث قطع كامل في جسور الثقة بين الشعب ومؤسساته الوطنية، وشل قدرة الدولة على الإنجاز والتنمية.
المؤسسات في مرمى الاستهداف
وأوضح حميدة، أن القضاء والشرطة والمؤسسات الاقتصادية والخدمية ليست بمنأى عن هذا الاستهداف، وأن كل مؤسسة تثبت كفاءتها تصبح هدفًا، لأن نجاحها يمثل دحضًا مباشرًا للرواية التي يحاول التنظيم ترسيخها. مؤكدًا؛ أن الفراغ المعلوماتي هو المساحة التي تحاول الجماعة استغلالها، فحين يتأخر توضيح الحقائق، تجد الشائعة بيئة خصبة للنمو،
خط الدفاع الأول
شدد حميدة؛ على أن مواجهة هذا النوع من النشاط لا تكون بالردود الأمنية وحدها، وإنما من خلال رفع وعي المواطنين وتعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات الدقيقة. مضيفًا: وعي المواطن يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل، والشفافية تحبط الشائعات قبل أن تنتشر.
ويختتم الباحث بالتأكيد على أن التمييز بين النقد الوطني المشروع والحملات التي تستهدف الدولة ومؤسساتها هو المفتاح، فالنقد يبحث عن الخلل بهدف إصلاحه، أما خطاب التحريض فينطلق من نتيجة مسبقة مفادها أن كل ما تفعله الدولة سلبي، ثم يبحث عن أي واقعة لتأكيد هذه النتيجة.