إيمان ممتاز

٢٣يوليو... عندما انتقلت مصر من الحلم إلى مشروع دولة

السبت، 25 يوليو 2026 03:42 م


هناك أحداث لا يطويها الزمن، لأنها لا ترتبط بتاريخ وقوعها فقط، وإنما بما أحدثته من تحول في مسار الأوطان. وتبقى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ واحدة من هذه اللحظات الفارقة التي أعادت رسم ملامح الدولة المصرية، وغيرت كثيرًا من المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
وعلى مدار أكثر من سبعين عامًا، ظل الجدل حاضرًا حول تجربة يوليو، وهو جدل صحي يعكس أهمية الحدث نفسه. فالثورات الكبرى لا تُقرأ بعين الانحياز، وإنما تُقيَّم بما قدمته لشعوبها، وما تركته من آثار امتدت إلى أجيال متعاقبة.

عندما قامت الثورة، كانت مصر تبحث عن طريق جديد. كانت تطمح إلى التحرر من الاحتلال، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، ومنح المواطن فرصة حقيقية في التعليم والعمل والحياة الكريمة. ومن هنا جاءت قرارات شكلت فيما بعد علامات بارزة في التاريخ المصري، مثل الإصلاح الزراعي، والتوسع في التعليم، وإنشاء قاعدة صناعية، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، وهي خطوات لم تكن مجرد قرارات سياسية، بل كانت تعبيرًا عن رؤية تسعى إلى بناء دولة تعتمد على إمكاناتها وإرادتها.

ولم تتوقف آثار يوليو عند حدود الداخل المصري، فقد لعبت مصر دورًا محوريًا في دعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا والعالم العربي، وأصبحت القاهرة آنذاك مركزًا لحركات الاستقلال، وهو ما عزز من مكانة الدولة المصرية إقليميًا ودوليًا.

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن ندرك أن كل تجربة تحمل نجاحات وتحديات. فالتاريخ لا يُكتب بالأبيض والأسود، وإنما بتوازن يضع الإنجازات في موضعها، ويقرأ التحديات باعتبارها جزءًا من طبيعة أي مرحلة انتقالية. وهذه القراءة المتوازنة هي التي تمنح الأجيال الجديدة القدرة على فهم الماضي دون مبالغة، والاستفادة من دروسه دون الوقوع في أسر المقارنات.

واليوم، تختلف طبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية عما كانت عليه في خمسينيات القرن الماضي. فالمعركة لم تعد مع الاحتلال العسكري، بل أصبحت معركة تنمية، واقتصاد، وتكنولوجيا، وأمن قومي، وبناء الإنسان. وهي معارك لا تقل أهمية عن معارك التحرر الوطني، لأنها ترتبط بمستقبل الدولة وقدرتها على المنافسة في عالم سريع التغير.

إن الاحتفاء بذكرى ٢٣ يوليو لا ينبغي أن يقتصر على استعادة صفحات من التاريخ، بل يجب أن يكون فرصة لتجديد قيمة الانتماء، وترسيخ ثقافة المسؤولية، والتأكيد على أن بناء الأوطان عملية مستمرة لا تتوقف عند جيل بعينه. فكل مرحلة تكتب فصلًا جديدًا في كتاب الوطن، وكل جيل مطالب بأن يضيف إلى هذا التاريخ ما يستحق أن تتذكره الأجيال القادمة.

وربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها ذكرى يوليو اليوم، أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بما تمتلكه من إرادة، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وإيمان أبنائها بأن الحفاظ على الوطن مسؤولية مشتركة، وأن المستقبل لا تصنعه الشعارات، بل يصنعه العمل والعلم والإخلاص.
وفي كل عام، تبقى ذكرى الثالث والعشرين من يوليو محطة وطنية للتأمل في رحلة الدولة المصرية، واستدعاء قيم الإرادة والكرامة والعمل، باعتبارها قيمًا لا ترتبط بزمن معين، وإنما تظل أساسًا لكل مشروع وطني يسعى إلى بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة