أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان التجارة.. الاتحاد الأوروبي يستعد لقبول مشروط للرسوم الأمريكية الجديدة رغم اعتبارها غير مبررة.. واشنطن تلوح بالرسوم عقاباً على ملف العمالة القسرية في صفعة جديدة للعلاقات التجارية

السبت، 25 يوليو 2026 01:00 ص
أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان التجارة.. الاتحاد الأوروبي يستعد لقبول مشروط للرسوم الأمريكية الجديدة رغم اعتبارها غير مبررة.. واشنطن تلوح بالرسوم عقاباً على ملف العمالة القسرية في صفعة جديدة للعلاقات التجارية دونالد ترامب

فاطمة شوقي

في تطور يعكس تعقيد العلاقات التجارية بين أكبر كتلتين اقتصاديتين في العالم، تستعد المفوضية الأوروبية لقبول رسوم جمركية جديدة تخطط الإدارة الأمريكية لفرضها في الأيام المقبلة، تتعلق بملف العمالة القسرية، شريطة ألا تتجاوز نسبة 15% المتفق عليها في اتفاق تيرنبيري التجاري الموقع بين الجانبين في يوليو 202،  ويأتي هذا الموقف الأوروبي المتردد في وقت تعتبر فيه بروكسل هذه الرسوم "غير مبررة"، لكنها ترى أن الخيار الأفضل هو ضمان احترام الاتفاق وتفادي تصعيد تجاري قد يكلف الطرفين غالياً.

 

خلفية الأزمة: من اتفاق تيرنبيري إلى التهديدات الجديدة

كان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد توصلا في يوليو 2025، في قمة تيرنبيري الاسكتلندية، إلى اتفاق تجاري حدد سقفاً للرسوم الجمركية الأمريكية على المنتجات الأوروبية بنسبة 15% كحد أقصى، في محاولة لتهدئة التوترات التجارية التي شهدتها سنوات ما بعد جائحة كورونا. لكن الإعلان الأمريكي في يونيو الماضي عن عزمه فرض رسوم إضافية على شركائه التجاريين حول العالم، بحجة عدم بذل جهود كافية للحد من تجارة السلع المنتجة عبر العمالة القسرية، أعاد فتح ملف التوتر بين الجانبين.

وقالت البيت الأبيض إن "نقص الجهود الدولية لمكافحة العمالة القسرية يضر بالمصالح التجارية الأمريكية"، ملمحة إلى أن واشنطن لن تتردد في استخدام أدواتها الجمركية للضغط على حلفائها وشركائها التجاريين، بمن فيهم الاتحاد الأوروبي.

 

انتهاء النظام الجمركي الحالي: مواجهة وشيكة

ينتهي النظام الجمركي الأمريكي الحالي، الجمعة 24 يوليو ، بعد 150 يوماً من تطبيقه، ما لم يوافق الكونغرس على تمديده، وهو أمر يعتبره المراقبون مستبعداً قبل انتخابات التجديد النصفي. وفي هذا السياق، أشار الممثل التجاري الأمريكي جيمسون جرير، إلى أن تطبيق الرسوم الجديدة المرتبطة بالعمالة القسرية أصبح وشيكاً، دون تحديد موعد دقيق، معرباً عن توقعه بـ"تحرك قريب" في هذا الملف.
وقال جرير في مقابلة مع قناة CNBC: "نتوقع أن تكون هناك تحركات قريباً في هذا الشأن. لا يمكنني تحديد جدول زمني الآن، لأنني مسؤول عن إبلاغ الكونجرس والأطراف المعنية الأخرى قبل الكشف عن مثل هذه التفاصيل".

 

موقف أوروبا: قبول مشروط واستمرار الاعتراض

في موقف يعكس التناقض الأوروبي، أكدت المفوضية الأوروبية أنها تتابع عن كثب مستوى الرسوم الجديدة، مشددة على أن الأولوية هي ضمان عدم تجاوزها لنسبة 15% المتفق عليها. وقال مسؤول أوروبي رفيع المستوى: "بطبيعة الحال، لا نشارك الاستنتاجات الأمريكية بشأن العمالة القسرية، وقد أوضحنا ذلك لنظرائنا الأمريكيين. لكن الهدف الأساسي هو ضمان احترام الاتفاق وحصول شركاتنا على الاستقرار والقدرة على التنبؤ التي تم تحديدها آنذاك".

وأضاف المسؤول أن الاتحاد الأوروبي يمتلك تشريعات صارمة لمكافحة العمالة القسرية، وأن اتهامات واشنطن في هذا الشأن "غير مبررة". لكنه اعترف بأن بروكسل تفتقر إلى القدرة على منع الإدارة الأمريكية من فرض رسومها الجديدة، ما لم يتم فرض عقوبات أوروبية مضادة، وهو سيناريو لا ترغب فيه المفوضية حالياً.

 

الرسوم الحالية: هل نقترب من سقف 15%؟

كانت إدارة ترامب قد فرضت في فبراير الماضي رسوماً بنسبة 10% على الشركاء التجاريين حول العالم، بعد أن أعلنت المحكمة العليا الأمريكية عدم دستورية رسوم عام 2025. وهذه الرسوم، المضافة إلى حقوق الدولة الأكثر رعاية (MFN) القائمة، تضع الاتحاد الأوروبي حالياً أمام متوسط رسوم يقترب من سقف 15% المتفق عليه في اتفاق تيرنبيري.

ويعني ذلك أن أي رسوم جديدة ستضع الاتحاد الأوروبي مباشرة أمام تجاوز هذا السقف، ما يهدد اتفاق تيرنبيري برمته، وقد يدفع بروكسل إلى اتخاذ تدابير مضادة قد تشمل فرض رسوم انتقامية على منتجات أمريكية.

 

تحقيق أمريكي تحت القسم 301

كجزء من سعي إدارة ترامب لإيجاد أساس قانوني جديد لرسومها، فتحت وزارة التجارة الأمريكية تحقيقاً بموجب القسم 301 من قانون التجارة لعام 1974، بشأن العمالة القسرية في سلاسل التوريد العالمية. ومن المتوقع أن تصدر نتائج هذا التحقيق في الأيام المقبلة، ليمثل الأساس القانوني للرسوم الجديدة التي تخطط واشنطن لفرضها.
ويعيد هذا التحقيق إلى الأذهان التحقيقات المماثلة التي أجرتها إدارة ترامب في ولايته الأولى ضد الصين، والتي أدت إلى حرب تجارية واسعة النطاق بين أكبر اقتصادين في العالم، واستمرت لسنوات وتسببت في خسائر فادحة للجانبين.

 

التحديات القانونية والأوروبية

يكمن التحدي الأكبر أمام المفوضية الأوروبية في أن الأساس القانوني الحالي للنظام الجمركي الأمريكي لا يسمح باستمراره أكثر من 150 يوماً من دون موافقة الكونغرس. ومع استبعاد المراقبين حصول تمديد قبل انتخابات التجديد النصفي، تجد إدارة ترامب نفسها مضطرة لإيجاد آلية قانونية جديدة لفرض رسومها، وهو ما يسعى إليه تحقيق القسم 301.

وكان أولوف جيل، المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، قد قال في يونيو الماضي إن "الاتحاد الأوروبي يعتبر الرسوم الجمركية المفروضة لهذه الأسباب غير مبررة"، مضيفاً أن أوروبا تمتلك قواعد صارمة لمكافحة المنتجات المصنعة بالعمالة القسرية. لكنه لم يشر إلى أي إجراءات انتقامية محتملة، مما يعكس الموقف الأوروبي المتردد.

تداعيات اقتصادية محتملة
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي تصعيد في الحرب التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد يكلف الطرفين مليارات الدولارات، ويؤثر على سلاسل التوريد العالمية التي لم تتعافَ بالكامل بعد من تداعيات جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. وتبلغ التجارة السنوية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نحو 1.3 تريليون دولار، مما يجعل أي نزاع تجاري بينهما ذا تداعيات عالمية.

ويحذر خبراء اقتصاد من أن فرض رسوم جديدة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية في كلا الجانبين، وزيادة التضخم الذي بدأ يتراجع نسبياً في السنوات الأخيرة، إضافة إلى تأثيره على الاستثمارات والنمو الاقتصادي.

 

أوروبا بين الصبر والانفجار

يبدو أن الاتحاد الأوروبي اختار حالياً استراتيجية الصبر والتفاوض، مفضلاً قبول الرسوم الجديدة مع التمسك بسقف 15%، بدلاً من الانزلاق إلى حرب تجارية مكلفة مع إدارة ترامب التي أبدت استعدادها لاستخدام كافة الأدوات لحماية ما تصفه بالمصالح التجارية الأمريكية. لكن هذا الموقف قد يكون مؤقتاً، خصوصاً إذا تجاوزت الرسوم الجديدة السقف المتفق عليه، أو إذا استمرت واشنطن في استخدام ملف العمالة القسرية كورقة ضغط على شركائها التجاريين.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح بروكسل في احتواء الأزمة وحماية مصالحها التجارية، أم أن الموجة الجديدة من الرسوم الأمريكية ستكون الشرارة التي تعيد إشعال الحرب التجارية عبر الأطلسي؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية أي تطور في هذا الملف الحساس.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة