يوم قيام ثورة 23 يوليو عام 1952، كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قد بلغ من العمر 63 عاماً، وقائد الثورة الزعيم جمال عبد الناصر تجاوز الـ 34 بشهور قليلة.. الفارق في العمر بين العميد والزعيم يقارب الثلاثين عاماً تقريباً.
رغم هذا الفارق، فقد التقى الرجلان سريعاً، وربطت بينهما روابط نفسية واجتماعية وتقارب فكري. راهن طه حسين على ثورة يوليو لتحقيق أحلامه وأفكاره التي أطلقها قبل الثورة، وآمن بها عبد الناصر، وسعى جاهدًا لتطبيق تلك الأفكار وجعل الأحلام حقائق على أرض الواقع ينعم بها أبناء الفقراء من عامة الشعب التي حلمت في وطن تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، ويتساوى فيه أبناؤه في الحقوق والواجبات.
لقد حارب عميد الأدب العربي بأفكاره ومؤلفاته مظاهر التخلف والجهل والماضي الذي أعاق مصر عن التنوير والتقدم والمدنية، وناصر قادة ثورة للنهضة والتنمية والعلم والحضارة. التعليم كان الشغل الشاغل وقضية الرجلين؛ فنادى الأول بالتعليم كالماء والهواء، والثاني قرر مجانية التعليم في كل مراحله من الابتدائية حتى الجامعة.
منذ الساعات الأولى لقيام حركة الضباط الأحرار، كان طه حسين هو أول من أطلق على «الحركة المباركة» اسم «الثورة»؛ فهي الميلاد الجديد لمصر الذي سيغير وجه مصر والمنطقة والعالم. وكتب مقالات تؤيد الثورة وأهدافها وقراراتها التي تلبي أحلام وطموحات الشعب وتضع حدّاً لمعاناته وبؤسه وفقره في العهد البائد.
في إحدى هذه المقالات يقول طه حسين: «أحب أن تكون ثورتنا حية، وأن تكون ثائرة، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس، وأن يمسي المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل».
كان طه حسين من المؤيدين بقوة لطرد الملك فاروق خارج البلاد، وقانون الإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، وجلاء القوات الإنجليزية عن أرض مصر؛ لأن ذلك يجعل المصريين يحسون «بأن الأمر أمرنا، وبأن نحكم أنفسنا، لا يحكمنا فرد مسلط، ولا تتدخل في حكمنا قوة أجنبية».
وعندما تعرض ناصر لمحاولة اغتيال من قبل تنظيم الإخوان في حادثة المنشية عام 1954 في الإسكندرية، كتب طه حسين مقالاً أدان فيه الجريمة، وأشاد بحسن تصرف عبد الناصر، وهاجم الإخوان.
اعتز بالثورة وبدورها العالمي؛ لأن «ثورتنا كانت مقدمة لاستقلال شعوب مختلفة كانت خاضعة لسلطان الاستعمار الخارجي، ولسلطان الاستبداد الداخلي أحياناً». وأيد العميد توجه القومية العربية، ورأى في الوحدة العربية هدفاً قومياً ينبغي أن يقوم على أسس سليمة.
منذ مقالاته الأولى في عهد الثورة، كان طه حسين يوجه مقالاته المباشرة عندما يخاطب المسؤولين إلى جمال عبد الناصر الذي تولى منصب رئيس الوزراء، وربما جاء ذلك نتيجة حصافته وذكائه. استشعر أهمية عبد الناصر ودوره المركزي في الثورة، فلم يوجه خطاباته إلى الرئيس المؤقت محمد نجيب، بل إلى عبد الناصر القائد الفعلي للثورة، وهو آمن بسعة صدر عبد الناصر واستماعه إلى النقد حيث يتوجب النقد، على عكس ما يشيعه أعداء عبد الناصر أنه كان ديكتاتوراً وقامعاً لحرية الكلمة.
وعلى الرغم من تأييد ودعم طه حسين للثورة وقائدها، إلا أنه وجه انتقاداً لما جاء في الميثاق؛ فقد انتقد مسألة نشاط المثقفين ومهمة الجامعات وعدم قدرة الدولة على تحمل أعباء العلم: «وقد وقفت عند هذه الجملة لأني أعتقد أن العلم لعلمه تبعة نستطيع أن نحتملها في هذا الطور من أطوار حياتنا».
ورغم ذلك، وتقديراً للعلاقة بين ناصر وطه حسين ولمكانته، لم يتعرض لأي مساءلة، بل نال كل التقدير والتكريم والاهتمام؛ ففي عام 1958 حين فاز عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بجائزة الدولة التقديرية، أقيم حفل كبير حضره الرئيس جمال عبد الناصر الذي سلم الدكتور طه حسين الجائزة، ومنحه عبد الناصر أيضاً قلادة النيل أعلى أوسمة الدولة عام 1965 وقدمها له في بيته، حيث كان العميد يعاني من المرض.
قال عن علاقته بعبد الناصر: «إنه كان على اتصال دائم معه، وكانت بينهما مودة في غاية الرخاء، وناصر له محل فضل عليه لا ينساه؛ فقد أهداه قلادة النيل التي كانت تُهدى فقط للملوك والرؤساء».
يكشف طه حسين أنه كلما أرسل لعبد الناصر برقية أو تحية أو تهنئة إلا وقد رد عليه بخير منها؛ فقد كان «صديقاً وأخاً حميماً له، وكان عطوفاً على المواطنين، وهذه كلها أخلاق ما عرفناها في الذين ينهضون بالحكم».
تعرض طه حسين لمأزق صعب عندما عرض عليه المخرج هنري بركات تحويل رواية (دعاء الكروان) التي نُشرت عام 1934 إلى فيلم؛ شعر بالإحراج، فكيف يُعرض الفيلم إحدى شخصياته وأبطاله يحمل اسم "ناصر" خال هنادي وآمنة، وهو رجل يتصف بالكلس والجمود والجشع، ويمثل سلطة العادات والتقاليد القبلية، وقام بارتكاب جريمة قتل هنادي في الصحراء انتقاماً للشرف والعرض، بعد أن سقطت في علاقة مع مهندس الري، مما تسبب في مأساة بطلة الرواية وشقيقتها "آمنة"؟
فهل يُعرض الفيلم عام 1959 وزعامة جمال عبد الناصر (الذي أيده ودعمه) قد استقرت وصارت مرادفاً لحركات التحرر وعدم الانحياز وللعدالة الاجتماعية والحرية والاستقلال والتنمية المستقلة، في الوقت الذي يحمل أحد أبطال الفيلم اسم "ناصر" الخال المتسلط والقاتل والمتعطش دائماً للدم..؟!
تقرر تغيير اسم الخال "ناصر" في الرواية إلى "جابر" في الفيلم تقديراً واحتراماً لاسم الزعيم عبد الناصر. وشارك طه حسين بصوته في نهاية الفيلم.
ويوم وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، رثاه طه حسين بكلمات مؤثرة قال فيها: «أبداً لم تلهث الكلمة وتترنح في مواجهة موقف ما، مثلما حدث لها حينما صك أسماعها نبأ وفاة جمال عبد الناصر!».