أكد المخرج والدراماتورج والكاتب المسرحي السعودي، فهد ردة الحارثي أن المسرح المعاصر شهد تحولات جوهرية في علاقته بالمتلقي، أسهمت في انتقال المتفرج من موقع المشاهدة السلبية إلى موقع الشريك الفاعل في إنتاج المعنى وبناء التجربة المسرحية.
جاء ذلك خلال مشاركته في ندوة «التجريب واستراتيجيات بناء المتفرج المتحرر»، ضمن فعاليات المحور الفكري للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.
وأوضح الحارثي أن تطور النظرية المسرحية المعاصرة أسهم في إعادة النظر إلى وظيفة المتفرج، فلم يعد يقتصر دوره على استقبال العرض، وإنما أصبح عنصرًا أساسيًا في تشكيل دلالاته من خلال ثقافته وخبراته وتفاعله مع عناصر التجربة المسرحية.
وأشار إلى أن العديد من التجارب المسرحية سعت إلى كسر الحواجز التقليدية بين الممثل والجمهور، وإعادة بناء العلاقة بينهما على أساس التفاعل والمشاركة، من خلال استثمار مختلف حواس المتلقي، مثل البصر والسمع والشم والتذوق واللمس، إلى جانب الاهتمام بحالته النفسية، وموقع جلوسه، وزوايا الرؤية، وطقسية العرض، وجغرافية المكان المسرحي.
وأضاف أن المحاولات التجريبية اعتمدت على روح نقدية وجمالية جديدة، تقوم على فكرة أن العرض المسرحي لا يكتمل إلا بحضور المتلقي واستجابته، وأن المعنى لا يقدم للجمهور في صورة جاهزة، بل يتشكل عبر التفاعل بين عناصر العرض وحضور المتفرج وثقافته وخبراته.
ولفت إلى أن هذا التصور دفع عددًا من المخرجين إلى البحث عن فضاءات عرض غير تقليدية، واستخدام تقنيات أداء تتيح للجمهور المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما جعل عملية التلقي تجربة حيوية ومتجددة.
وأكد الحارثي أن نظرية التلقي الحديثة عززت مكانة الجمهور داخل العملية المسرحية، باعتبار أن كل متلقٍ يمتلك قدرة تأويلية تختلف وفقًا لثقافته وبيئته وفكره وخبراته، وهو ما يفتح المجال أمام تعدد القراءات والتفسيرات للعرض المسرحي الواحد.
وأوضح أن ورقته البحثية، رغم انطلاقها من مجموعة من النظريات والأسئلة الفلسفية، ركزت على تجربتين بارزتين في مسرح الخليج، من خلال البحث في مفهوم «جغرافيا المسرح» وعلاقة المكان بالمتلقي.
وقال إن القضية لا تتعلق بمجرد تقديم العرض في مكان مختلف، وإنما تطرح سؤالًا أكثر عمقًا حول كيفية تفاعل المتلقي مع العرض، وكيف يستقبل مفرداته، وما الذي يمكن أن يقدمه المكان المغاير للمسرح وللجمهور.
مسرح الصواري.. المكان شريك في صناعة التلقي
وتوقف الحارثي عند تجربة مسرح الصواري في البحرين، معتبرًا إياها واحدة من التجارب التي قامت منذ بداياتها على التجربة والتجريب والمشاكسة والبحث عن فضاءات مغايرة.
وأشار إلى حوار أجراه مع المخرج خالد الرويعي، أحد مؤسسي مسرح الصواري، حول طبيعة اشتغال الفرقة على المكان، موضحًا أن التجربة كانت تقوم على إمكانية توظيف مختلف مفردات الفضاء داخل العرض المسرحي.
وأضاف أن أي عنصر موجود في المكان، سواء كان سلمًا أو عجلة سيارة أو شجرة أو نافذة، يمكن أن يتحول إلى جزء من الفعل المسرحي، مشيرًا إلى أن السؤال الأساسي لم يكن متعلقًا بالمكان ذاته، وإنما بالأثر الذي يمكن أن يتركه هذا الاختيار في المتلقي.
وأكد أن اشتغال مسرح الصواري على الفضاء لم يكن مجرد بحث عن مكان مختلف، بل كان اشتغالًا فكريًا وجماليًا يضع المتلقي في قلب التجربة، من خلال التساؤل حول كيفية استقباله للعرض، وهل يقبله أو يرفضه أو يدخل معه في حالة من الحوار والتفاعل.
وأوضح أن التجربة أسهمت في تشكيل جغرافيا مسرحية مختلفة، واعتمدت على خطاب بصري وجمالي يعبر عن هوية المكان، حيث امتدت العروض إلى فضاءات متعددة، من بينها ملاعب كرة القدم، والصالات المفتوحة، والأندية الشعبية، والبحر، والأشجار، وحتى الغرف داخل المسرح.
وأشار" الحارثي"، إلى عدد من الأسماء التي أسهمت في تشكيل هذه التجربة، من بينهم عبد الله السعداوي، وإبراهيم الجويعدي، ويوسف الحمدان، وخالد الرويعي، إلى جانب أجيال أخرى واصلت هذا النهج المسرحي.
وأضاف أن تجربة مسرح الصواري لم تكن مجرد فكرة عابرة، وإنما قامت على فكر متأصل يبحث في طبيعة المتلقي وتكوينه وعلاقته بالمكان، مشيرًا إلى أنها تعرضت أحيانًا لاتهامات بالنخبوية، بينما كان هدفها الحقيقي هو الذهاب إلى المتلقي ومشاكسته وإثارة الأسئلة داخله.
ولفت إلى أن السينوغرافيا في هذه التجارب اعتمدت على الاختزال، مع توظيف مكثف لمفردات المكان نفسه، بحيث تتحول عناصر البيئة المحيطة إلى جزء أصيل من العرض المسرحي.
وأوضح أنه إذا أقيم العرض داخل بيت شعبي، فإن الشجرة أو «السدرة» والدكان والنافذة والباب وغيرها من التفاصيل يمكن أن تتحول إلى عناصر فاعلة داخل التجربة، لا تؤدي وظيفة بصرية فقط، وإنما تستدعي ذاكرة المتلقي وعلاقته الشخصية بالمكان.
وأكد الحارثي على أن المكان في المسرح التجريبي لا يمثل مجرد خلفية للأحداث، بل يمكن أن يصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل تجربة التلقي، ووسيلة لإثارة ذاكرة المتفرج ودفعه إلى التفاعل والمشاركة في إنتاج دلالات العرض.