حازم حسين

أعقد وأضيق من مذكرة ومضيق

الأربعاء، 22 يوليو 2026 02:00 م


لا إلى الحرب مالت الكفّة، ولا بقى الميزان مُتأرجحًا فى اتّزانه الوهمى. برزخ رمادى لا يُوصَف بالاصطخاب أو الهدوء؛ ولو أنكر الخصمان وادّعيا خلاف ذلك.
كلاهما عاجز عن السير، راغب فى التوقف، ساعٍ للانعتاق، يُقرّ بالمضمون ولا يختلف إلا على الشكل!
أعلن ترامب انتهاء مذكرة التفاهم بعد شهر على توقيعها، وعقّبت إيران بتعليق التزاماتها الواردة ضمن البنود الأربعة عشر.
ومَرّ على إحماء الجمر مُجدّدًا نحو عشرة أيام، وما تبدّلت وقائع الميدان؛ وإن تطاير الدخان هُنا وهناك.

معركة لا برىء فيها؛ إلا الضحايا من دول الجوار. أمّا طرفاها فكلاهما ظالم ومظلوم فى الآن ذاته، ويتبادلان المواقع بلا ملل ولا أمل، أو إقدام على كسر الدوّامة المُغلقة.

شنّت الولايات المتحدة عدوانها مدفوعة بأجندة إسرائيلية، هيّأت لها إمكانية الحسم، ومغانم ما بعد الإطاحة بالملالى ونظامهم الأُصولى، المُزاحم لها على امتداد الإقليم الإقليم، والجاثم فوق مُحيط من الثروات.

خطيّة جديدة تُضاف إلى سجلٍ أمريكى لا آخر له؛ إنما لا قيمة لها إزاء سلسلة طويلة ومُتّصلة من جرائم الجمهورية الإسلامية تجاه الآخرين؛ بما فى ذلك مصالح واشنطن وأصولها المادية والمعنوية.

والذاكرة مُترعةٌ بالوقائع التى ما انطفأ سعيرها؛ حتى أن الرئيس الجمهورى استذكرها فى زحام كلامه الكثير ورسائله المُتضاربة:
إطاحة الشاه، رهائن السفارة، إنكار الفضل فى حرب العراق، قتل العشرات فى بيروت، وصولا إلى وضع اليد على أربع عواصم إقليمية، واعتمار قبعة الامبراطورية وأوهامهما فى وجود القطب الأوحد.

الأمور أعقد مِمّا تبدو عليه، وأضيق كثيرا من المضيق وبنود المُذكّرة المُختَلَف عليها. تناقض بنيوى، وصراع وجودى من نوعية مباريات الأقفاص المُغلقة، وتحديدًا ما لا يُسمَح فيه بخروج الاثنين على أقدامهم!

وعليه؛ فالمواجهة الأخيرة ليست طارئة فى الزمان والمكان، بقدر ما تُعبّر عن إحنٍ سالفة، وديون مُعلّقة لم تُستَوفَ بعد، وكان الصراع سينفجر لا محالة، وفى كل الأحوال؛ غير أن طوفان السنوار عجّل بالجحيم!

وانطلاقًا مِمّا سلف؛ فالمسألة تتخطّى النووى والصواريخ الباليستية، ولا تقنع بقطع الأذرع وتحجيم الميليشيات الرديفة، والأرجح أنها تتّصل بتركيبة النظام نفسه، وبنيته العقائدية، وما أسّس عليه فلسفته وشرعيته السياسية والدينية.

محنة إيران أن ذاكرتها أوسع من حاضرها، وأن يدَيها أقصر مِمّا تراه عيناها وتشتهيه نفسُها. نجحت الفارسية قديمًا وأخفقت، وانتُدِب التشيّع ليكون غطاء وأداة فرز وتمييز؛ ثم العمامة السوداء لتُنازع على الولاية، وتبتلع النجف، وتخلق قطبًا موازيًا لمكانة الأزهر فى العالم السُنّى.
المُهمّ؛ أن صبغة الخُمينى التى صبغ بها البلاد ما عادت قابلة للتمدّد والانتشار، ولا مُبرر لوجودها إلا تحت ظل الرسالة: تصدير الثورة، محاربة الاستكبار، ودعم المستضعفين فى الأرض.

وما كان فعالاً فيما مضى، فَقَد بريقه فى الحالّ، ولا أُفق له فى الاستقبال. ما عاد دعمُ "حزب الله" يُقرأ على الوجه المُخادع، واللعب بورقة حماس أورث فلسطين نكبة فوق نكباتها، وجناية الحوثيين على اليمن أكبر وأعقد من أن تُروَى أو تُختَزَل.

العراقيون أسرى التنازُع بين الطامعين، وقد انحسرت الهيمنة الأمريكية نسبيًّا، وتحدّد موعد لإجلاء بقايا قوات التحالف فى غضون شهرين، بينما الميليشيات الولائية تقبض على مفاتيح بغداد، وتنتظر الأوامر من طهران.

هُوجم رئيس الوزراء على الزيدى لزيارته البيت الأبيض؛ ولأنه لم يستنكف كلام مُضيفه عن اغتيال سليمانى والمهندس، وعن تدخلات إيران واستتباعها لبعض قوى الداخل. وتورّط فى الحملة عليه مسؤولون رفيعو المستوى من دائرة المُرشد وصقور الحرس.

والوقاحة نفسها تتكرّر تجاه لبنان، وبصيغة تكاد تُجاهر بادّعاء الوصاية على المجال الوطنى، واختزال الدولة فى خندق الدويلة، بما يتماشى مع نشر عناصرها على الأرض فعلاً، وإدارة ميليشيا الحزب مباشرة، وخارج هياكله السياسية أو سلطة أمينه العام.

طائرات كانت تتدفق على صنعاء، آخرها مُنِعت بعد ضرب مُدرّج المطار. وردّد إعلام الجناح المُتشدّد من نظام الولى الفقيه؛ بأن الأوامر صدرت للأداة الجنوبية بالتدخل، وإغلاق مضيق باب المندب حال تصعيد الحرب فى هرمز!

لم يكن اتفاق إسلام آباد مثاليا منذ البداية، ومرّرت الولايات المتّحدة بعض بنوده الرمادية، استنادًا إلى عدم حاجتها للتدقيق، ولقدرتها على تعديل ما لا يوافق هواها لاحقا بالقوّة الخشنة.

غير أن إسقاط المذكرة بكاملها كان من عمل الجانب الآخر، وبالتحديد صقور الجنرالات من رافضى التهدئة، ومَن كذبوا كذبة النصر وصدّقوها، ويضغطون لخوض المواجهة الخاسرة حتى آخرها، طمعا فى تعظيم المكاسب المُتوهّمة، أو تثبيت الأوضاع على مَيلِها الراهن.

وباعثهم على الموقف الانتحارى الغريب؛ أن الهالة انكسرت، ووصلت النار إلى الجغرافيا الحصينة. تكسّرت الأذرع، وسقطت نظرية الدفاعات المُتقدّمة، ولا أمل فى القنبلة النووية، وقد اكتشفوا أن المضيق يُحقّق أهداف الردع والإيلام أضعافا، وبتكلفة أقل، مع يُسرٍ ومرونة فى الاستخدام!

ويبدو أنهم حتى الآن لم يستعيدوا تحذير أمين مجلس الأمن القومى الراحل على لاريجانى، من أن ورقة الممر الملاحى صالحة لمرّة واحدة. الصورة تتحوّل، والمحايدون يميلون وإن ببطء، وواشنطن القادرة على ما هو أكبر، قد لا تقف بمفردها أصلاً فى غضون وقت قريب!

كان التهجّم على ناقلات النفط مُفتعَلا ومقصودًا؛ لإفساد التهدئة، وإظهار أن الثورة تضعف بالتفاوض وتقوَى بالصدام، وأنها قدّمت ما عليها؛ لكن نوايا العدوّ على حالها، والشرّ مخبوء تحت طاولة الدبلوماسية.

لدى ترامب شهران إضافيان قبل أن يكبحه الكونجرس، وقد تعجبه اللعبة فيُكرّرها: يتوقّف ويُخطر، ثم يضرب ويُخطر، وبينهما يُصفّر العدّاد ويبدأ مُهلته من جديد!

تمتّعت إيران بفُسحةٍ مع التهدئة، وأنعشت خزائنها ولوجستيّاتها؛ غير أن الحصار سيأكل سريعًا ما تراكم ببطء، ومع الوقت تزداد أعباؤه، وتتضخّم الفواتير بمتوالية هندسية لا حسابية.

ما زلت مُصرًّا على أن الحرب لم تَعُد، وقد لا تعود؛ إلا لو نجح نتنياهو فى النفاذ من شقوق الموافق وارتباك الفريقين. لكن المعارك أحيانًا ما تكون أفضل من الترقُّب؛ أقلّه لأنها تُظهّر القوى أو تُمهِّد للحسم والتسوية.

والأرجح أن الوسطاء سيُكثّفون نشاطهم، وسينجحون فى إعادة القطار لمساره، قبل يخرج عن القضبان مُجدّدًا. الخلاف بسيط شكلاً، مُعقّد ولا نهاية له فى المضمون.

وإن مَددنا الخط على استقامته؛ فلعلّنا الجمهورية الإسلامية تسير لحَتفها على طريقة البطل التراجيدى، مدفوعة بوعيها الاستشهادى وطقوسها الكربلائية، وذاهلة عن المُمكن والمستحيل فى السياسة ولعبة الأُمم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة