تظل العلاقة بين جماعة الإخوان وبريطانيا خلال النصف الأول من القرن العشرين واحدة من الملفات التاريخية التي أثارت جدلا واسعا بين الباحثين والمؤرخين، خاصة مع ظهور دراسات تناولت طبيعة الاتصالات السياسية بين القوى الكبرى والحركات الإسلامية خلال فترة الاستعمار البريطاني والحرب العالمية الثانية.
العلاقات السرية بين الإخوان وبريطانيا
ويعود جانب كبير من الجدل إلى كتاب الكاتب البريطاني مارك كيرتس "العلاقات السرية"، الصادر عام 2010، والذي تناول فيه علاقات بريطانيا بعدد من القوى والحركات السياسية في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين، حيث استعرض اعتمادا على وثائق بريطانية ومصادر أرشيفية، طبيعة تعامل الحكومات البريطانية مع جماعات سياسية مختلفة في المنطقة، ومن بينها الجماعة الإرهابية.
ووفقا لما أورده كيرتس، فإن الإخوان شهدت نموا كبيرا بقيادة مؤسسها حسن البنا، الذي سعى إلى توسيع نشاطها خارج مصر عبر إنشاء فروع في عدد من الدول العربية والإسلامية، من بينها السودان والأردن وسوريا وفلسطين وشمال إفريقيا، ويشير كيرتس إلى أن الجماعة قدمت نفسها في تلك المرحلة باعتبارها حركة ذات مشروع إسلامي، في مقابل التيارات القومية والعلمانية والأحزاب الشيوعية التي كانت منتشرة في المنطقة، وهو ما جعلها محل اهتمام القوى الدولية الفاعلة آنذاك، ومنها بريطانيا والولايات المتحدة.

الاخوان
دعم لندن للإخوان
ويربط كيرتس هذا الاهتمام بالسياق السياسي الذي كانت تعيشه مصر والمنطقة خلال تلك الفترة، حيث كانت مصر تمثل موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية بالنسبة لبريطانيا، خاصة بسبب قناة السويس التي شكلت محورا رئيسيا للوجود العسكري والاقتصادي البريطاني، مشيرا إلى أن لندن كانت تراقب صعود الحركات السياسية المختلفة في مصر، في ظل تزايد التيارات المناهضة للنفوذ البريطاني، ومحاولاتها الحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يطرح الباحثون تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي نشأت بين الجماعة وبعض الشخصيات أو الجهات البريطانية، وهل كانت مجرد اتصالات سياسية واستخباراتية مرتبطة بطبيعة المرحلة، أم أنها وصلت إلى مستوى الدعم المالي والتنظيمي.
لندن وتأسيس الجماعة
ويرى طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن تأسيس الجماعة وانتشارها المبكر احتاج إلى موارد مالية كبيرة. مضيفا أن حسن البنا لم يكن له أن يؤسس جماعته بدون تمويل، بل وتمويل قوي يوفر له سداد أثمان المناضد للمدرسة، وافتتاح المقرات، والسفر لضم عناصر أو استقطاب جمعيات صغيرة.
ويستشهد أبو السعد، خلال تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، بمؤشرات على وجود مصادر تمويل متعددة في مرحلة التأسيس، ومن بينها التبرع الذي حصلت عليه الجماعة من شركة قناة السويس، والذي يقدر بـ500 جنيه، معتبرا أن هذا المبلغ كان كبيرا في ذلك الوقت وساهم في شراء أرض وبناء مسجد وإنشاء فرع للجمعية. وهناك مراسلات منسوبة إلى حسن البنا مع شقيقه عبد الرحمن، تكشف وجود خلافات حول إدارة الأموال والإنفاق على أنشطة الجماعة.

طارق أبو السعد
ويضيف أبو السعد أن الخلافات الداخلية داخل الجماعة في تلك المرحلة ارتبطت، بتساؤلات بعض الأعضاء حول مصادر التمويل وطريقة إدارة الأموال، لافتا إلى أن ذلك أثار شكوكا لدى بعض القيادات بشأن طبيعة الموارد المالية التي كانت تصل إلى التنظيم.
كما يشير أبو السعد إلى ما ورد في كتاب محمود عساف بشأن وجود لقاءات مع شخصيات بريطانية، تلك اللقاءات تضمنت مناقشة دعم مشروعات مرتبطة بالنشاط الدعوي، موضحا أن بعض المدافعين عن حسن البنا لا ينكرون حدوث مثل هذه الاتصالات، لكنهم يختلفون في تفسيرها، ويحملون مسؤولية بعض هذه العلاقات لشخصيات أخرى داخل الجماعة.
وبعد وفاة حسن البنا وتولي حسن الهضيبي قيادة الجماعة، يستمر الجدل حول طبيعة العلاقات الخارجية للإخوان، حيث حافظت الجماعة على قنوات اتصال مع أطراف دولية مختلفة، فهناك وثائق ودراسات تناولت الاتصالات بين الطرفين ضمن سياق الصراع الدولي في القرن العشرين.