تشهد فرنسا تصعيدًا ملحوظًا في إجراءاتها الرامية إلى الحد من نفوذ جماعة الإخوان، في إطار توجه أمني وتشريعي يستهدف تشديد الرقابة على الجمعيات والكيانات المدنية، ومواجهة ما تصفه السلطات بـ"التغلغل الصامت" داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع تتبناها باريس لمواجهة التنظيمات ذات المرجعيات الأيديولوجية، عبر تضييق مساحات نشاطها وتجفيف مصادر تمويلها.
وتسعى الحكومة الفرنسية إلى تعزيز أدواتها القانونية لمراقبة الجمعيات والمؤسسات التي يشتبه في ارتباطها بشبكات الإسلام السياسي، مع تكثيف الرقابة على مصادر التمويل والتحويلات المالية، وإخضاع عدد من الكيانات لإجراءات تدقيق موسعة، في إطار سياسة تستهدف منع استغلال العمل المدني والخيري في تحقيق أهداف سياسية أو تنظيمية.
ويأتي هذا التحرك في ظل تنامي المخاوف داخل الأوساط السياسية والأمنية الفرنسية من توسع نفوذ الجماعات الأيديولوجية داخل بعض مؤسسات المجتمع، وهو ما دفع السلطات إلى مراجعة التشريعات المنظمة لعمل الجمعيات، ومنح الجهات المختصة صلاحيات أوسع لمتابعة الأنشطة المالية والإدارية، والتدخل عند وجود شبهات تتعلق بالأمن القومي أو نشر الفكر المتطرف.
ويرى مراقبون أن التحولات الأخيرة تعكس تغيرًا واضحًا في المقاربة الفرنسية، إذ لم تعد المواجهة تقتصر على التصدي للتهديدات الأمنية المباشرة، وإنما امتدت إلى مواجهة البنى التنظيمية والمالية التي تتيح لهذه الجماعات الحفاظ على وجودها داخل المجتمع، مع التركيز على تفكيك شبكات النفوذ التي تشكلها عبر المؤسسات والواجهات القانونية.
كما تتزامن هذه الإجراءات مع دعوات متزايدة داخل أوروبا لتوحيد آليات التعامل مع التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي، وتعزيز التنسيق الأمني والقضائي بين دول الاتحاد الأوروبي، بما يشمل تبادل المعلومات بشأن مصادر التمويل والأنشطة العابرة للحدود، وتطوير أدوات قانونية أكثر فاعلية لملاحقة الكيانات التي يثبت ارتباطها بالتنظيمات المتشددة.
ويؤكد متابعون أن تشديد الرقابة على الجمعيات والتمويلات يمثل أحد أبرز محاور الاستراتيجية الأوروبية الجديدة لمكافحة التطرف، في ظل قناعة متزايدة بأن مواجهة هذه التنظيمات تتطلب تحركًا لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يشمل أيضًا الجوانب القانونية والمالية، بما يحد من قدرتها على إعادة بناء شبكاتها أو توسيع نفوذها داخل القارة.