دخل إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع انتقال هجمات المسيّرات إلى مدينة الدمازين، بالتزامن مع تحركات ميدانية للجيش السوداني في المحاور الشرقية للإقليم، في وقت تتسع فيه تداعيات القتال على المدنيين مع نزوح نحو 100 ألف شخص منذ بداية العام.
وخلال يوم واحد، أعلنت الفرقة الرابعة مشاة إسقاط مسيرة قالت إنها دخلت من اتجاه الحدود الإثيوبية واستهدفت مواقع للجيش قرب حامية بلنق، بينما تحدث شهود عن هجوم بسرب من المسيّرات الانتحارية على مناطق متفرقة من الدمازين، العاصمة الإدارية للإقليم، وسماع نحو 11 انفجارًا بالقرب من مواقع حيوية بينها مستشفى السلاح الطبي ومطار الدمازين ومحطة لتعبئة الوقود.
وتأتي هذه التطورات بعد إعلان الجيش إحكام سيطرته على جبل كدم القريب من حامية بلنق، في إطار تحركات عسكرية تقول مصادر سودانية إنها تستهدف استعادة السيطرة على الكرمك وقيسان وقاعدتي بكوري وسركم، وهي مناطق قالت المصادر إن تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال بقيادة جوزيف توكا استولى عليها خلال الأشهر الماضية.
مسيرات الدمازين.. الهجمات تصل إلى عاصمة الإقليم
شهدت الدمازين مساء الأحد هجومًا بطائرات مسيرة، وفق ما نقلته "سودان تربيون" عن شهود عيان، الذين أفادوا بسماع دوي نحو 11 انفجارًا على الأقل، نتيجة سقوط مسيرات في مناطق متفرقة من المدينة.
وقال الشهود إن بعض الانفجارات وقع بالقرب من مستشفى السلاح الطبي ومطار الدمازين، بينما سقطت إحدى المسيّرات في محطة لتعبئة الوقود، في حين تصدت المضادات الأرضية التابعة للجيش للمسيّرات.
ولم يصدر عن الجيش، وفق المعلومات الواردة، بيان بشأن الهجوم على الدمازين.
وتزامن ذلك مع تكثيف الدعم السريع استخدام الطائرات المسيّرة في جبهة النيل الأزرق، في ظل استمرار الحشود العسكرية في جنوب وغرب الإقليم.
بلنق وجبل كدم.. تحرك عسكري في المحور الشرقي
في وقت سابق من اليوم نفسه، أعلنت الفرقة الرابعة مشاة بإقليم النيل الأزرق إسقاط مسيرة قالت إنها كانت تحلق فوق منطقة بلنق، الواقعة على بعد نحو 130 كيلومترًا جنوب شرقي الدمازين.
وذكرت الفرقة أن المسيّرة دخلت من اتجاه الحدود الإثيوبية، بينما قالت مصادر عسكرية إن الدعم السريع نفذت هجومًا بالمسيّرات على قوات للجيش وصلت حديثًا إلى حامية بلنق وتمركزت فيها.
وجاء الهجوم، بحسب المصادر ذاتها، بعد ساعات من عملية عسكرية أعلن الجيش خلالها السيطرة على جبل كدم القريب من الحامية، عقب تقدم لميليشيا الدعم السريع في المنطقة.
وقالت الفرقة الرابعة مشاة إن العملية في جبل كدم أسفرت عن إحكام السيطرة على الموقف الميداني، وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات المعادية في الأرواح والمعدات.
وبحسب بيان الفرقة، استولى الجيش على 17 سيارة ودمر 5 سيارات قتالية، إلى جانب خسائر أخرى في صفوف القوات والمعدات.
معركة السيطرة على الكرمك وقيسان
لا تقتصر التحركات العسكرية الأخيرة على جبل كدم وبلنق، إذ تأتي في سياق تعزيزات دفع بها الجيش إلى محاور القتال المتقدمة في النيل الأزرق.
وتقول المعلومات الواردة إن الهدف من هذه التعزيزات هو استعادة السيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان المتاخمتين للحدود الإثيوبية، إلى جانب قاعدتي بكوري وسركم الاستراتيجيتين.
وكان تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، بقيادة جوزيف توكا، قد وسع نطاق عملياته في الإقليم خلال الأشهر الماضية، في وقت نشطت فيه جبهة القتال منذ فبراير بين الجيش وحلفائه من جهة، والتحالف الذي يضم الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال من جهة أخرى.
ويمثل موقع الكرمك وقيسان أهمية ميدانية بحكم قربهما من الحدود الإثيوبية، فيما يرتبط القتال في هذه المناطق بتحركات عسكرية أوسع في جنوب وغرب الإقليم.
نحو 100 ألف نازح منذ بداية العام
بينما تتغير خريطة السيطرة العسكرية على الأرض، تتسع حركة النزوح داخل الإقليم.
وكشفت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة عن نزوح 99,277 شخصًا، يمثلون نحو 19,497 أسرة من مناطق مختلفة في النيل الأزرق، خلال الفترة من 11 يناير وحتى 23 أغسطس 2026.
وأوضحت المنظمة أن النازحين الجدد توزعوا على سبع محافظات، حيث استقبلت الدمازين 45,740 شخصًا، وقيسان 15,735، وباو 12,687، فيما توزع الباقون على ود الماحي والروصيرص والكرمك والتضامن.
وكانت قيسان مصدر نزوح 39,570 شخصًا، مقابل 32,515 من الكرمك و27,192 من باو، وفق بيانات منظمة الهجرة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن مناطق القتال الرئيسية في الإقليم كانت من أبرز مصادر موجات النزوح الجديدة، مع انتقال أعداد كبيرة من المدنيين إلى مناطق أخرى بحثًا عن الأمان.
370 ألف نازح.. والاحتياجات تتزايد
بلغ إجمالي عدد النازحين في النيل الأزرق نحو 370 ألف شخص وفق بيانات منظمة الهجرة الدولية المنشورة في أواخر يوليو 2026.
وتشير البيانات إلى أن 71% من هؤلاء نزحوا من داخل الإقليم، بينما جاء الباقون من الخرطوم وسنار والجزيرة.
ويقيم 58% من النازحين لدى أسر مضيفة، فيما يعيش 29% في مواقع تجمع، بينما يتوزع الباقون بين المدارس والمباني العامة والمساكن المستأجرة ومراكز الإيواء المؤقتة.
ومع استمرار وصول النازحين إلى الدمازين ومناطق أخرى، تواجه الأسر النازحة تحديات مرتبطة بالخدمات الأساسية، خاصة الصحة والمياه والغذاء.
الصحة والمياه.. أزمات موازية للقتال
أظهرت بيانات تقييم الاحتياجات التي جمعتها منظمة الهجرة الدولية خلال يوليو وأغسطس أن نحو 60% من الأسر النازحة أفادت بحاجة فرد واحد على الأقل من أفراد الأسرة إلى خدمات صحية خلال الأشهر الثلاثة السابقة لجمع البيانات.
وتمثلت أبرز عوائق الحصول على الرعاية الصحية في ارتفاع تكلفة العلاج أو عدم توفره، إلى جانب تكاليف الانتقال إلى المنشآت الصحية ونقص الكوادر الطبية.
وفي ملف المياه، قالت المنظمة إن 41% من الأسر النازحة أفادت بعدم حصولها على كمية كافية من مياه الشرب لمدة يوم أو يومين، بينما عانت 22% نقصًا في المياه لمدة تراوحت بين ثلاثة وعشرة أيام.
وللتعامل مع نقص المياه، اضطرت 64% من الأسر المتضررة إلى شرائها، بينما لجأت 25% إلى الحصول عليها من منازل أخرى عبر الاقتراض أو المشاركة، وخفضت 24% استهلاكها أو غيرت طرق استخدامها، في حين لجأت 19% إلى مصادر مياه أقل جودة أو غير آمنة.
ارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى المساعدات
لم تتوقف تداعيات النزوح عند الخدمات الأساسية، إذ أفادت 38% من الأسر النازحة بوجود عوائق أمام الحصول على المساعدات الإنسانية.
وشملت هذه العوائق نقص المعلومات، وعدم توفر المساعدة، والتمييز، وتكاليف النقل.
وفي الوقت نفسه، قالت منظمة الهجرة إن 95% من الأسر أفادت بارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية غير الغذائية خلال الثلاثين يومًا السابقة لجمع البيانات، بينما سجل أكثر من ربع الأسر أنماطًا مقلقة في استهلاك الغذاء.
عودة عشرات الآلاف وسط استمرار القتال
وبالتوازي مع موجات النزوح الجديدة، شهد النيل الأزرق عودة 230,572 شخصًا إلى الإقليم، بحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية.
وأوضحت المنظمة أن 75% من العائدين قدموا من خارج السودان، بينما عاد 85% منهم إلى قرى ريفية، مقابل 15% إلى مناطق حضرية.
ويعيش 71% من العائدين في مراكز جماعية بدلًا من مساكنهم الأصلية، بينما عاد 23% إلى مساكنهم المعتادة، واستضاف الأصدقاء أو الأقارب 6%.
وأفاد 97% من العائدين بأن تحسن الوضع الأمني كان السبب وراء عودتهم إلى مناطقهم الأصلية، في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية مستمرة في أجزاء من الإقليم.
إثيوبيا في صلب الاتهامات.. وأديس أبابا تنفي
يتقاطع التصعيد العسكري في النيل الأزرق مع اتهامات متبادلة بشأن الدور الإقليمي في الحرب.
وتتهم الحكومة السودانية إثيوبيا بتوفير إسناد عسكري لميليشيا الدعم السريع وتسهيل تحركاتها لمهاجمة مواقع داخل الأراضي السودانية، كما تتهمها بفتح معسكرات لتجنيد مقاتلين ومرتزقة أجانب لصالح الدعم السريع، وتخصيص مهابط للمسيّرات وطائرات الشحن.
وتنفي أديس أبابا هذه الاتهامات.
وفي أحدث التطورات، قالت الفرقة الرابعة مشاة إن المسيرة التي أسقطتها قرب بلنق دخلت من اتجاه الحدود الإثيوبية.