انتهت الهدنة؛ ولم تبدأ الجولة التالية من الحرب. يصعب الجزم بالاستقرار، وبالتصعيد أيضًا؛ إذ لا يُعرَف لأى سبب سار السائرون فى وجهتهم، أو توقّفوا وعادوا عنها، وما لا يُحاط بأسبابه ومُقدّماته، ربما يتعذّر استشراف مآلاته ونتائجه.
جُرَّ ترامب إلى الحرب بخديعة إسرائيلية. لم تعُد المسألة محل شَكٍّ أو تأويل، واستجاب الملالى مُضطرّين أوّلاً؛ ثم تمادوا فى الأمر بعدما تساوت لديهم كُلفة الإقدام والإحجام، وأحسّوا بما وراء أكمة النار من فوائد عاجلة وآجلة.
خسرت إيران مُرشدها الأعلى، وحزامًا عريضًا من صف القيادة الأول؛ لكنها ثبّتت هالة العقيدة والمَبدئية فى عيون الأتباع، كما تُروّج بينهم دايما أنها عدوّ الاستكبار ونصير المُستضعفين.
أرعبت الجيران، فرضت عليهم واقعا أمنيًّا جديدًا، وأحكمت قبضتها على خناق هُرمز، لتستعيض عن القنبلة النووية بالمضيق.
تجزم الحسابات العقلانية بأنها تضرّرت ماديًّا ومعنويًّا، وتشقق جدارها الصلب بما قد يحتاج عقودًا للترميم.
ولكن بالنسبة لنظام أصولىٍّ يتعيِّش على الدعاية والشعارات، ولبلدٍ مُهلهَلٍ واقتصادٍ مُتداعٍ أصلاً؛ فإنها خرجت من المواجهة الافتتاحية أقوى مِمّا دخلتها.
ويُبالغ بعض شيعتها؛ ولعلّه شعور يمسّ شغاف الصقور من الجنرالات والفقهاء أيضًا؛ بأن الحشد الكثيف فى أسبوع تشييع المُرشد الأعلى القتيل، يُعبّر عن شعبية راسخة، والتفافٍ حقيقى حول الثورة وأدمغتها المُلتهبة.
والواقع؛ أن للنظام قاعدة عريضة منذ البداية، ازدادات بطول البقاء وترسيخ النكهة الدينية، وانعقاد شبكات المصالح وتعقّدها، كما أن ما رُؤى فى الشارع كان حشدًا مُنظّمًا، وأقصى ما تقدر عليه الماكينة الرسمية.
وبالمثل؛ يصح النظر لما جرى فى العراق، فى عبور جثمان خامنئى عليه، ومعروف حجم التضادّ الفكرى والفقهى بين قُم والنجف، واختلاف الأخيرة على مرجعية «الولى الفقيه».
غير أن جمهرة المُشيعين ربما تعود لوشائج المذهب، أو تراجيديا الرحيل، أو لأبعاد إنسانية مُجرّدة، سبق أن أوقفت الرسول الكريم لجنازة يهودى عابرة.
وعلى ذكر الطقوس التى استمرّت نحو أسبوع؛ فيبدو أن طهران اتّجهت نحو التهدئة لأجل دفن مُرشدها فحسب، وسرعان ما تشدّد الخطاب، وأفسِح المجال للجناح المُتطرّف بديلاً عن أنصار الدبلوماسية.
والشواهد كُلّها تُرجّح أن مُجتبى قيد الوصاية، أو مُجرّد واجهة يتستّر بها قائد الحرس أحمد وحيدى؛ فيُرجى الحبل للساسة أن يستنزفوا الوقت، ويقبضه بأوانٍ يتّصل بأولويات القيادة العسكرية الراهنة.
يتحوّل النظام ببطء تحت العمامة السوداء، ويبدو أن دوىّ الرصاص ما يزال فى أسماع الحُكّام الجُدد، ويطغى على أفكارهم ونبرة حوارهم الداخلى، لدرجة تشفّ عن صراعات وانقسامات بينيّة.
المسألة تتخطّى الثأر، والحديث عنه ذريعة فحسب. إيران تُعاين مُستقبلاً يتهدّدها بالتبدُّل، وأن تُمسَخ عن الصفة التى اختارها لها الخمينى، بما ينتقل بها من الثورة للدولة، ومن استثنائية الميليشيا إلى طبيعية الإدارة النظامية، وكلاهما يُقوّض سُلطة الحاضر، ويعصف بطبقة واسعة جدا من المُنتفعين.
أُبرِمَت مذكرة التفاهم لأجل أن تُنتَهك، ولم تحترمها طهران ساعةً واحدة. وكان الغرض مُركّبًا: حصاد العوائد المعنوية لشهور الاشتباك، التقاط الأنفاق، تجديد العافية النفسية بالجنازة، وتثبيت الأوضاع غير الاعتيادية فى مياه الخليج.
وصوّر الخيال للمُتذاكى الخفىّ على الضفة الشمالية؛ أن ما دفع ترامب لإنجاز الصفقة، سيُبقيه تحت ظلّها طويلاً: كأس العالم، عيد الاستقلال، الاقتصاد، موسم الانتخابات، وأخيرًا والأهم شعوره بخطيئة الحرب ولا جدوى التورط فيها من الأساس.
وبقدر ما يبدو الأمر منطقيًّا؛ فإن عوامل الترويض قد تكون نفسها دوافع الانفلات أحيانًا. حُشِر سيد البيت الأبيض فى الزاوية، والتهدئة غير مُرضية لتيّاره بجناحيه: المنحاز لإسرائيل والداعى للانعزال بمنطق «أمريكا أوّلا»، يوظّفه الديمقراطيون ضدّه، وتحسُّن أسعار الوقود لا يوازى الصمت على تثبيت توازنات جديدة وغريبة فى هُرمز.
ما كان لعاقلٍ فى الجمهورية الإسلامية أن يتوهّم ابتلاع الأمريكيين للاستئساد ومحاولات الهيمنة على المضيق. لمّح ترامب بسقوط الاتفاق مرّة بعد أُخرى، وجدّد المناوشات بوتيرة مُتصاعدة، وصولاً إلى إعادة فرض الحصار على إيران.
استفادت طهران بفسحة من الهدوء، وعوائد قد تتخطّى 5 مليارات دولار عن صادراتها النفطية الأخيرة، مع أثر الصورة فى جنازة المُرشد، واختبار حدود اللعب على الجبهة العراقية، وإشهار ورقة الحزب فى لبنان، استعدادًا لإفساد «اتفاق الإطار» مع إسرائيل.
عكّر الفُرس مياههم مع الجوار، وضاعفوا رصيد العداء. وما يزال خطابهم مُنقسمًا على ذاته، بين لُغة دبلوماسية واتصالات مع المحيط، وصواريخ ومُسيّرات تهطل على الأعيان المدنية قبل العسكرية.
طموحها الإمبراطورى فى أوج اشتعاله. لديها طابور خامس فى عِدّة دول، وتحضر فيالق الحرس بالأصالة على أرضها، فيما تُعاقب دول الخليج على اتفاقات رسمية موقعة من دولة لدولة، وليس بمنطق الميليشيا والا الاختراق من العُمق.
فشلت إيران فى أن تكون دولة، وفى أن تنكر عن نفسها صفة الميليشا فى الشكل والمضمون. وعلى قدر ما أدارت لعبة توزيع أدوار، بين المحافظين والإصلاحيين، وداخل كلٍّ منهما؛ فالانقسام مستفحل اليوم وبادٍ على كل الوجوه بلا استثناء.
صقور تتفاوت فى الاندفاع والنزعة الجارحة، وحمائم بمخالب ومناقير مسمومة. جنرالات مع التهدئة وساسة يقرعون طبول الحرب، والعكس، وقليلهم يعقل ويُمَنطِق، والأكثرية تسير بالهوى والمنفعة.
قد تتصاعد المواجهة أو تتجمّد، وقد تُفضى إلى رابحٍ أو تبقى النتائج مُعلّقة؛ إنما الغالب أن إيران تعبر حقبة لا سبيل لاستمرارها، وليس بمقدورها أن تستمر على ما كانت. إنها ذروة المُنحنى؛ ما بعدها إلا الهبوط.
ولعلّها مسألة وقت قبل أن تنقلب أوضاعها رأسا على عقب، أو تنفجر توازناتها المُعطّلة (بفتح الطاء وكَسرها)؛ لتتشكَّل على وجهٍ آخر، قد يكون أفضل أو أسوأ، وبدرجات وأحوال حسب زاوية النظر؛ لكن المؤكّد أنه سيكون غير وجهها القديم القبيح.