قد يشعر البعض بالدهشة لكون أطراف فى إيران وإسرائيل وأمريكا تتفق على استمرار وتغذية الحرب، وهؤلاء الذين يندهشون تغيب عنهم الكثير من عناصر الصراع ولعبة السياسة العالمية، التى تتجاوز ما هو ظواهر إلى تحالفات خلفية تجعل هناك اتفاقا بين أنصار الحرب فى كل هذه الأطراف التى تتعارض شكلا لكنها تتفق فى المضمون والمصالح. ولهذا فإن العودة إلى الصدام، والقصف الأمريكى لإيران وإغلاق مضيق هرمز وإطلاق صواريخ ومسيرات على الكويت والبحرين والأردن، يعكس عمق العلاقات والتحالفات، وكون معسكر الحرب أكثر اتساعا مما هو معلن فى الواقع.
ولهذا يلتقى التيار المتشدد فى إيران مع تيار فى الكونجرس وإسرائيل لاستمرار الحرب، بل إن ما يبدو انقساما داخل إيران بين الحرس الثورى والتيار السياسى، يعكس مصالح وتصورات تمتد إلى ما بعد الحرب نفسها، حيث إن انتهاء الحصار والحروب قد ينهى سلطة أطراف تعيش عقود على الخوف وتتكسب من الحصار وتبنى سلطتها على الخوف، وهو ما يجعل الأمر أكثر من مجرد اعتراض على التفاوض إلى أن يكون دعوة لحرب بلا نهاية، رهانا على أن الولايات المتحدة لم تعد تخوض حروبها مثلما كان فى السابق بجانب التأكد من أن أمريكا لا تنوى الدخول فى مواجهة واسعة.
لهذا يبدو ضعف جبهة الرئيس بزشكيان وتيار التفاوض وإنهاء الحرب فى مواجهة الحرس الثورى، الذى يمتلك اليد العليا، ومعه تيار يتعيش على الحرب تماما مثلما يفعل نتنياهو وتيار الحرب داخل إسرائيل الذى يتغذى على الحرب، ووجد فى 7 أكتوبر 2023 ذريعة تمنح الاحتلال والتيار المتطرف المزيد من الوقت لممارسة إبادة، وهنا تلتقى مصالح تبدو متعارضة لكنها تعمل معا وتتفاعل.
ومن بداية الحرب كتبت أن الدول الكبرى حققت أرباحا ضخمة من تجارة السلاح التى تعد هى الأكثر رواجا فى العالم، وكل هذه الدول منذ سنوات تبيع أنظمة دفاع جوى وصواريخ ومضادات المسيرات وتصنع المسيرات نفسها وتبيعها، وبالتالى فإن الدول المختلفة مثل الصين وروسيا وألمانيا وفرنسا ودول أوروبا ومنها دول يفترض أنها محايدة تبيع كميات ضخمة من الأسلحة التى تمثل مصدرا مهما لإنعاش اقتصاداتها، وهذه الدول لا تنخرط فى الحرب مباشرة لكنها تحقق أرباحا، وإن بدرجة أقل من الولايات المتحدة التاجر الأكبر الذى يبيع أنظمة دفاعات وصواريخ أيضا لدول الإقليم منذ بدايات تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، التى ربحت فى وقت ما من تجارة المسيرات فى الحرب الروسية الأوكرانية.
والواقع أن إيران وإسرائيل كانتا على مدى عقود أحد أهم محفزات استهلاك السلاح فى الشرق الأوسط من نهاية السبعينيات، حيث لم تتوقف الحروب فى المنطقة، عشر سنوات حرب إيران والعراق، ثم غزو العراق للكويت وتحرير الكويت، وعشرات الحروب بالوكالة فى سوريا واليمن ولبنان والعراق، تستهلك مليارات الدولارات من الأسلحة بأنواعها، وهو ما ينشط مصانع السلاح فى العالم كله وليس فقط فى الولايات المتحدة، والرابح الأكبر هم أمراء السلاح والحرب والسماسرة الذين يربحون من تجارة لا تتوقف أبدا، وهو نفس ما يبدو الآن بجانب أنه داخل إيران وإسرائيل تبنى هذه القطاعات سلطتها على الخوف والحرب والصراع الذى يغذى وجودها ويمنحها سلطات واسعة للسيطرة على المجتمع، ولا يهم إن كان هذا لصالح الشعب أم لا، ولهذا تتواصل التصريحات التهديدية بين أمريكا وأطراف فى إيران تفضل البقاء فى حالة حرب وحصار، حتى لو كان هذا ضد صالح الشعوب، وهؤلاء هم من صنعوا طوفان الأقصى، ومن يغذون الهجوم على دول الخليج والصراع فى لبنان، ويحرضون على إشعال الصدام فى لبنان واليمن، لأنهم يكسبون من تجارة الحرب.