يتحدث الهاربون خارج البلاد عن الشعب المصري وكأنهم اكتشفوا فجأة طريق الدفاع عن حقوقه، ويقدمون أنفسهم من خلف الشاشات باعتبارهم أصحاب قضية ومناضلين من أجل الوطن، متجاهلين أن الشعب نفسه كان صاحب الكلمة في إسقاط حكم جماعة الإخوان الإرهابية، بعدما خرج في 30 يونيو رفضا لاستمرار الجماعة الإرهابية في السلطة، لينتهي حكم محمد مرسي في 3 يوليو 2013.
لكن ذاكرة المصريين لا تبدأ من بث مباشر يقدمه هارب متواطئ مع جماعات إرهابية، ولا تنتهي عند منشور على مواقع التواصل الإجتماعى فهناك عام كامل قضته جماعة الإخوان في الحكم، ترك وراءه وقائع سياسية وأمنية وإعلامية موثقة، كشفت طبيعة العلاقة التي حاولت الجماعة الإرهابية فرضها مع معارضيها ووسائل الإعلام قبل أن يتحول سقوطها إلى مرحلة جديدة من الصدام والعنف.
الاتحادية.. حين تحول الخلاف السياسي إلى اشتباكات
في ديسمبر 2012، شهد محيط قصر الاتحادية اشتباكات بين مؤيدي ومعارضي محمد مرسي، في واحدة من أبرز محطات الصدام خلال عام حكم الإخوان الإرهابية وتضمن الحدث وقائع احتجاز وضرب متظاهرين معارضين للحكومة على خلفية الأحداث بينما تحولت الأزمة السياسية حول الإعلان الدستوري والدستور إلى مواجهة مفتوحة في الشارع.
وفي الفترة نفسها، كان مرسي قد أصدر في نوفمبر 2012 إعلانا دستوريا حصن قراراته من الطعن القضائي، وهو القرار الذي أثار غضبا واسعا وفتح واحدة من أكبر جولات الصدام السياسي خلال فترة حكمه.
الشعب قال كلمته.. فسقط مشروع الجماعة الإرهابية
مع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جاء 30 يونيو 2013 ليضع حدا لادعاء احتكار الجماعة الإرهابية تمثيل المصريين وخرج ملايين المصريين ليعلوا رغبتهم الواضحة بالإطاحة بحكم الإخوان الإرهابية بعد عام واحد فقط من توليهم السلطة.
بعد الإطاحة.. صفحة جديدة من العنف
لكن سقوط الإخوان لم ينه الأزمة، بل دخلت مصر بعدها في واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطرابا فقد بثت الجماعة الإرهابية في أغلب بقاع المحروسة إرهابا ودخلت البلد مرحلة ممتدة من العنف والعمليات الإرهابية معاقبة منهم للشعب المصري على الإطاحة بهم من الحكم.
شاشة الهارب لا تمحو أرشيف سنة كاملة
المفارقة أن الذين يحاولون اليوم تقديم أنفسهم باعتبارهم صوت الشعب، يتجاهلون أن الشعب نفسه هو الذي خرج ضد حكمهم، وأن التجربة التي يحاولون إعادة تقديمها باعتبارها نموذجا للحكم تركت خلفها سجلا ثقيلا من الصدامات السياسية والاشتباكات والضغط على الإعلام والخصومة مع مؤسسات الدولة.
الهارب يستطيع أن يعيد نشر صورة قديمة، أو يقتطع تصريحا من سياقه، أو يقدم رواية جديدة عن مرحلة سابقة، لكنه لا يستطيع حذف الوقائع من أرشيفها، فالشعب المصري لا يتذكر فقط ما يقوله الإخوان عن أنفسهم بعد سنوات من سقوط حكمهم وإنما يتذكر أيضا ما حدث عندما امتلكوا السلطة وما جرى في الشوارع وأمام قصر الاتحادية وفي محيط المؤسسات الإعلامية، ثم ما أعقب سقوطهم من موجات عنف ودماء.
والتاريخ لا يكتب بمن يقف أمام الكاميرا أكثر، ولا بمن يرفع صوته من عاصمة أجنبية، وإنما بما حدث فعلا على الأرض لذلك يبقى السؤال أمام خطاب الهاربين: عن أي شعب يتحدثون؟ عن شعب خرج في 30 يونيو ورفض استمرار حكم الإخوان الإرهابية أم عن شعب افتراضي تصنعه شاشاتهم ليمنحهم بطولة لم تمنحها لهم التجربة ولا الوقائع ولا ذاكرة المصريين؟