أحمد المالكى

حين يعجز القلب عن الاحتمال

الأحد، 12 يوليو 2026 11:21 ص


يمر الإنسان في حياته بأوقاتٍ يشعر فيها أن الهم قد استولى على قلبه، حتى كأنه لم يترك فيه موضعًا لشيء آخر، فتتزاحم الأفكار، وتختلط المشاعر، ويصبح العقل عاجزًا عن التركيز، فلا يجد المرء قدرةً على القراءة، ولا رغبةً في الكلام، ولا طاقةً على القيام بأبسط الأعمال التي كان يؤديها من قبل بسهولة.

وربما أمسك كتابًا فلم يفهم منه سطرًا، أو جلس بين الناس وهو لا يكاد يدرك ما يدور حوله، لا لأنه لا يريد، ولكن لأن الحزن قد استنفد طاقته النفسية والعقلية، حتى أصبح كل ما يملكه هو الصمت والشرود.

ومن الأخطاء الشائعة أن يظن بعض الناس أن هذه الحال دليل على ضعف الإيمان، أو قلة اليقين، أو سوء الصلة بالله، فيبدأ بتأنيب نفسه فوق ما هو فيه من ألم، ويزداد حمله ثقلًا على ثقل، وهذا فهم غير دقيق؛ لأن الإيمان لا يلغي الطبيعة البشرية، وإنما يهذبها ويعينها على الصبر والثبات.

فالإنسان يبقى إنسانًا، له قلب يحزن، وعين تدمع، ونفس تتعب، وقد خلق الله النفوس على هذا النحو، وجعل لها طاقة وحدودًا لا ينبغي تجاهلها.
ولو تأملنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أوضح دليل على ذلك، ففي رجوعه من الطائف، بعدما لقي من الأذى ما لقي، قال: «فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب»، وهي عبارة تكشف مقدار ما كان يعتمل في نفسه من شدة الكرب، حتى مضى في طريقه دون أن يشعر بما حوله إلا بعدما بلغ ذلك الموضع.
ولم يكن هذا نقصًا في مقامه، وهو أكمل الخلق إيمانًا، وإنما كان دليلًا على أن الأنبياء بشر، يتألمون ويحزنون، لكنهم لا ينقطعون عن ربهم، ولا يفقدون حسن الظن به.

وقد لا يكون الألم وليد يومٍ واحد، بل هو حصيلة سنوات طويلة من الضغوط، والابتلاءات، وخيبات الأمل، والفقد، والخذلان، حتى إذا اجتمعت على القلب أضعفته، وربما جعلته عاجزًا عن التفكير السليم أو اتخاذ القرار المناسب، ولهذا قد ترى الإنسان ينسحب من المجالس، ويقل كلامه، ويكثر شروده، وربما وجد في النوم ملاذًا مؤقتًا يهرب إليه من ثقل الواقع، لا حبًا في الكسل، ولكن لأن النفس المرهقة تبحث عن أي لحظة سكون تسترد بها بعض توازنها.

ومع ذلك كله، فإن المؤمن لا ييأس من رحمة الله، لأنه يعلم أن الله سبحانه لم يكلفه بمعرفة موعد الفرج، ولم يطالبه بأن يرى الحكمة كاملة في أثناء البلاء، وإنما أمره بالثبات والاستقامة، فقال سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}، فالعبد قد يتأخر عنه ما يحب، وقد تطول عليه المحنة، ولكنه يوقن أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه، وأن ما يختاره الله له أرحم مما كان سيختاره هو لنفسه لو علم الغيب.

وكم من إنسان ظن أن أبواب الخير قد أغلقت في وجهه، ثم فتح الله له من حيث لم يحتسب، وكم من محنة ظنها نهاية الطريق، فإذا بها بداية مرحلةٍ أجمل وأوسع وأقرب إلى الله.

إننا كثيرًا ما ننظر إلى اللحظة الراهنة، بينما ينظر الله إلى العمر كله، ولذلك قد يؤخر عنك أمرًا لأن توقيته لم يحن بعد، أو لأن في التأخير إعدادًا لقلبك، أو إصلاحًا لنفسك، أو دفعًا لشر لا تراه، أو فتحًا لخير أعظم مما كنت تطلب.

إن الحياة بقسوتها قد تهز الإنسان من داخله هزًّا عنيفًا، حتى يشعر أن قلبه يرتجف، وأن أعصابه قد أنهكها التعب، وأن قدميه لم تعودا تحملانه كما كانتا من قبل، وهذه المشاعر ليست غريبة عن طبيعة البشر، وإنما الغريب أن يظن الإنسان أن بقاءه في هذه الحال يعني أنها ستدوم إلى الأبد، فكما تتغير الأيام، تتغير القلوب، وكما يأتي الليل بعد النهار، يأتي الفرج بعد الشدة، وقد يجعل الله لحظةً واحدة سببًا في تبدل حياة كاملة.

فإذا وجدت نفسك يومًا عاجزًا عن التفكير، أو أثقلتك الهموم حتى ضاقت بك الدنيا، فلا تقسُ على نفسك، ولا تجعل ألمك دليلًا على بعدك من الله، بل الزم بابه، وأكثر من الدعاء، وحافظ على الفرائض، وخذ بالأسباب، وأحسن الظن بربك، فإن الذي يعلم خفايا قلبك أرحم بك من نفسك، وهو سبحانه القائل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والقائل: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

ومن أيقن بوعد الله، علم أن الليل مهما طال، فلا بد أن يعقبه فجر، وأن القلب مهما أثقلته الأحزان، فإن رحمة الله أوسع من كل حزن، وأعظم من كل ألم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة