حازم حسين

ثورة أنقذت مصر.. وغيّرت وجه المنطقة

الثلاثاء، 30 يونيو 2026 02:00 م


داست الحشود على وجه الإخوان، وطمست معالم عقودٍ من التطرف والاتّجار بالدين. لكن الجماعة لم تسقط فى 30 يونيو، ولا حتى مع إعلان خارطة الطريق بعد ثلاثة أيّام!


لقد سقطت قبلها بسنةٍ كاملة، مع أداء محمد مرسى المُصطَنع لليمين أمام قطيع الأُصولية فى ميدان التحرير، وبمُقدِّمات سبقت المشهد، ومهّدت له ثمانيةَ عشر شهرًا، ملؤها الكذب والزيف والاحتيال.


وُلد الجنين ميّتًا، وما كانت طقوس عائلته واحتفالاتها إلَّا خداعا للنفس، واستمراء لوَهم التمكين، وطريقا تقطعها الجثة نحو القبر؛ فكأنها مراسم الجنازة والدفن.
استفاق المصريون عند الحاجة تمامًا، وتحرّكوا فى الوقت المناسب.. أسقطوا مشروعًا أُريد له أن يكون رأس جسرٍ لابتلاع الإقليم، وتركوا للمُؤسِّسات معركةً طالت وتعاظمت تكاليفها؛ لكنها كانت على قدر اللحظة.


كنتُ جالسًا يومَها إلى جَمعٍ من الأصدقاء، وأحسستُ منهم شعورًا بالمرارة إزاء صورة مندوب المُرشد إلى رئاسة الجمهورية، عندما وقف على منصَّة فى قلب القاهرة، يدّعى ما ليس فيه ولا يقدر عليه، وقد فتح صدره وزعم بطولةً وَهميَّة وغير حقيقية.


وأذكر أننى ابتسمت، بل قهقهتُ؛ فأثار ردُّ الفعل استغراب بعضهم، واستهجان الباقين.
واستمرأت الضغط على أعصابهم العارية؛ فدعوتهم للتحلِّى بالروح الرياضية والأمل، مع العمل بمقتضى الثانى، والتحسب لافتقاد الغرماء للأُولى، وستكون الفاتورة باهظة.


هكذا أخبرتهم وقتَها؛ لأن العصابة الصاعدة لن تبقى على الدَّرَج أكثر من سنة، وراهنتهم على ذلك باليوم والساعة.
لستُ عَرّافًا، ولا تُحَلَّل الأوقاتُ الاستثنائية ويُجزَم باستخلاصاتها. إنما كان العلم بطبيعة التنظيم ما يحكمُ عليهم بالتردّى سريعًا، وقد أفرغوا فضلات بطونهم على الجميع، القريب مع البعيد والحلفاء قبل الخصوم.


بدا أنهم مُحمّلون بإرثٍ سيُودى بهم إلى التهلكة؛ لأنه يمزج الجوع بالشبق بالمصالح المتقاطعة بين الداخل والخارج، وصولاً إلى التوهُّم بالتمكين والبقاء الأبدى، وإلى الرغبة فى الثأر من الجميع بأثرٍ رجعىٍّ، ودفعةً واحدة، دون فرز أو تدرُّج أو استثناء


والحمد لله أنهم أغبياء، وفعلوا ما كنت أتمنَّاه، وأخشى ألَّا يفعلوه.
وبمناسبة الإشارة السالفة ليوم الثالث من يوليو؛ فأذكر أيضًا أن مطلب المُحتجين كان الاحتكام إلى الصناديق مُجدّدًا، وإجراء انتخابات رئاسية مُبكّرة، واعترض شخص بارز من القوى المدنية، شغل منصبًا رفيعًا فى وقت لاحق، داعيًا إلى أن تُنجز الثورة مهمّتها كاملة بإطاحة أعدائها والمتربصين بها وبالثوّار.


لا أُصوّب موقفه ولا أُخطّئه، وأحسب أن الطرف الثانى فرض الاختيار على الجميع، واضطرّ الشارع والمؤسسات إلى السير فى الوجهة الاضطرارية لآخرها؛ إنما استعادة الذكرى غرضه التوثيق وتبيان المواقف على حقيقتها كما جرت، بلا أحكام ولا تأويل.


كانت وقفة «مرسى» بين أهله وعشيرته، كما قال بنص منطوقه، إشارة أولى إلى الفرز والتقسيم، وإلى إرساء قاعدة حاملة لمنظومة الحكم الجديدة، تستند إلى الأيديولوجيا لا المواطنة، وإلى بطاقة العضوية لا الكفاية والصلاحية.


حشدت الجماعة أعضاءها إلى التحرير قبل إعلان النتائج، على معنى لا يُفهَم إلا من جهة التهديد والوعيد، وأنهم بانتظار قرار وحيد، وإلا فسيقلبون الطاولة على الدولة، حجرا وبشرًا، وثورة لم تكتمل بعد.


وكان طبيعيًّا أن تتوالى الإجراءات على المنوال ذاته: محاولة إعادة مجلس الشعب رغم الحلّ بحُكم دستورى، التحرّش بالقضاء والأمن والإعلام، التهام الحكومة بالرغم من وعود فيرمونت وغيرها، والانقلاب على يناير وشركائها وحتى حُلفاء الانتخابات البرلمانية مثل الناصريين وغيرهم.


جُوهِر علنًا بأنهم آتون للبقاء لا الرحيل، وبأنهم عقدوا العزم على عدّة قرون فى السلطة. استقبلوا قاسم سليمانى سرًّا، ضمن مُخطط لإنشاء ميليشيات، تتطوّر إلى «حرس ثورىّ». تنسيق مع الظواهرى والتكفيريين فى سيناء، لقاءات مشبوهة وتسريب معلومات، رئيس يُتابع عملية خطف مُجندين ويدعو بلا حرج إلى «سلامة الخاطفين والمخطوفين».


يحتفلون بذكرى أكتوبر مع قتلة قائد النصر، يستدعون الإرهابيين فى المحافل العامة العلنية، يذيعون أسرار الدولة وقضاياها الحيوية على الهواء، كما فى مؤتمر الفضيحة عن «سد النهضة»، وينظمون حدثًا مُذاعًا يرعون فيه إرسال المُقاتلين إلى بلد قريب يشهد أزمة تُلامس نطاق الحرب الأهلية.


كل العلامات تجزم بما لا يُمكن الصمت عليه أو المواءمة فيه. كيان من خارج القانون وفكرة الدولة، يسعى إلى اختراقها من الداخل بمنطق «الدويلة» كما من حزب الله فى لبنان، على أمل أن يُحوّل رأس السلطة نفسها إلى ميليشيا وماكينة تطرف كما فى نموذجهم المُختار من دولة الملالى.


على التقريب؛ اعتُبرت الصناديق حصان طروادة، أو سلالم صالحة للصعود مرّة واحدة، على طريقة على بلحاج وجبهة الإنقاذ فى الجزائر، وجرى العمل على ترتيب «انقلاب قصر» بمظهر شبه دستورى، تُمسَخ فيه الهوية قاعديًّا، وتركيبة الحُكم عند قمة الهرم، ويتلاقى المساران عند محطة النمذجة الأصولية والتمكين الأبدى.


ثورة 30 يونيو كانت مدفوعة بالصادق الصافى من قيم يناير، وما لم يتحقق من أهدافها. حرّكتها معرفة العارفين بالإخوان، وصدمة الآخرين فيهم، ومثّلت انتفاضة ثأر وعقاب عن جرائم ظاهرة وخفيّة، وعن خطرٍ أحس المصريون أنه يُهدّد البلد وهُويّته وسلامه الاجتماعى.


غير أنها قبل كل هذا كانت تجسيدًا لعبقرية كامنة فى شعب صَنعَتُه كتابة التاريخ، وتكرارها بلا انقطاع. بداية دحر داعش بدأت من 30 يونيو، ومحاصرة الميليشيات ومنطق الدويلات. حصر السلاح فى يد الدولة، وتتداوله المنطقة كلها حاليا، أشعلنا شرارته الأولى قبل ثلاث عشرة سنة.


أطلقنا الرصاصة الأولى على الإرهاب، ولنا ديون فى رقاب مَن عانوا منه أو كانوا على لائحة أهدافه المستقبلية. أنقذنا أنفسنا أوّلاً، والإقليم بكامله؛ وإذا سلمت مصر فالعرب جميعهم سالمون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة