بمناسبة الثانوية والتعليم، هناك شعور يتلبس الأغلب إن لم يكن كل المصريين تجاه التعليم، هو شعورهم بعدم التأكد من أنهم فى الطريق الصحيح، وهذا الشعور يشترك فيه من يدفعون مئات الآلاف ومن يدفعون الآلاف ومن يدخلون أبناءهم إلى التعليم الحكومى، وأغلب من يقدمون لأبنائهم فى مدارس خاصة، يفعلون ذلك تأثرا بغيرهم، وليس باختيار حقيقى، وهو خيار لم يكن مطروحا أيام كانت المدارس نوعا واحدا أو ما حوله، ولا يشعر أى أب أو ولى أمر براحة لمجرد أنه أودع ابنه فى مدارس عامة أو خاصة أو تجريبية، يابانية فرنسية أمريكية بريطانية، وهى أنظمة لا علاقة لها ببلاد المنشأ وإنما نوع من البيزنس الذى يهدف إلى الربح، بينما أكبر جامعات العالم ومدارسها لا تهدف للربح، وهى صيغة لا يفهمها أغلب من يستثمرون فى التعليم العالى أو الأساسى، حيث يحققون مليارات بينما النتيجة ليست مرضية على أى مستوى.
ووسط كل هذه الأشكال والأنواع من التعليم لا ينتج منها خريج قادر على التعامل مع العالم بحرية، وإنما مجرد شخص ممتلئ بالمناهج التى تشبه حشو مكتبة بالكتب ورصها، وفى النهاية يحتاج الشاب بعد التخرج إلى تدريبات وكورسات والكثير من المهام حتى يطور نفسه ليكون قادرا على أن يختار طريقه، وخلال هذه الرحلة لا يوجد أب أو أم مقتنعين بنسبة كبيرة بأنهما قدما لابنهما ما عليهما، وهنا معضلة التعليم وبجانبه التربية التى تعتبر بالفعل جزءا من التعليم لا تنفصل عنه، ولا نعرف ما إذا كانت من أدوار ومهام المدارس أم أنها من المجتمع أم المنزل.
أصل المشكلة فى التعليم أن كل طرف يسعى لإرضاء أطراف أخرى، الأسرة تريد إرضاء المجتمع، والطالب يعمل فى الغالب لإرضاء الأسرة والمجتمع، وليس لإرضاء نفسه وطموحه، ويظل طوال الوقت خائفا من «بعبع» لا يعرف له ملامح، وطوال الرحلة لا يعرف ما إذا كان فى الطريق الصحيح وأنه سوف يجد لنفسه مكانا فى المستقبل أم أنه سوف يبقى تائها بين خياراته.
أكثر ما يضاعف هذه الحيرة أن التعليم كله يختصر فى عام واحد هو الثانوية العامة، وربما شهر واحد هو الامتحانات، التى تحسم مصيره للأبد، من دون أى مساحة للفهم أو الاختيار، ولا توجد اختبارات يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان هناك مسار سليم أم لا، وحتى هذا لا يضمن الكثير من الخيارات، من هنا نعود لأهمية أن يكون التعليم برنامجا متكاملا يقدم المعارف للتلاميذ ومعها طريقة تفكير ومنطق تمكنه من التفكير والاختيار والتفاعل وليس فقط التحصيل من أجل امتحان هو ذاته يصبح غاية وليس وسيلة لاختبار الفهم والتحصيل.
كل هذه العناصر تتطلب بالفعل أن تكون هناك مساحات فى المراحل المختلفة يمكن اختبار صحة المسار ومدى ملائمته وقربه أو بعده من الاحتياجات والحاجات والمستقبل، وأن يكون التفوق والجهد مرتبطا بتكافؤ الفرص والتقدم والعمل.
هناك ضرورة لخلق نقاش فى المجتمع والإعلام حول التعليم والمستقبل، والتعريف بالتخصصات ومدى الحاجة إليها، وربط التعليم الجامعى والفنى بالاستعداد والقدرات، والتأكيد على أن التدريب وإعادة التأهيل، لا يقل أهمية عن التعليم، أخذا فى الاعتبار أن نحو نصف خريجى العالم لا يعملون فى تخصصاتهم، وهناك معاهد ومراكز بل وجامعات تتيح فرصة التدريب وتغيير المسار «شيفت كارير»، فى دراسات مسائية أو غيرها، وهى أمور أصبحت جزءا من ثقافة العالم، نحن بحاجة لأن نجعل التعليم أساسا للمعارف والفهم، وتوسيع الخيارات التى تمكن الشباب من اكتشاف وتنمية مواهبهم، واتساع مساحات الاختيار بعيدا عن الشعور بالذنب أو تأنيب الضمير.