ناهد صلاح

​ما وراء الإطار.. وما وراء المهرجان.. كيف يعيد عمّان صياغة دوره الثقافي؟

السبت، 27 يونيو 2026 10:16 ص


​تأتي الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أوّل فيلم، التي تنعقد بين السادس والعشرين من يوليو والثالث من أغسطس 2026، لتؤكد أن المهرجان لم يعد مجرد منصة لعرض الأفلام الأولى، بل مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى إعادة تعريف علاقة الجمهور العربي بالسينما بوصفها فضاءً للتفكير والحوار واكتشاف الهويات السردية الجديدة. هذا التحول يعكس نضج المهرجان من حالة "الحدث العابر" إلى حالة "المؤسسة الثقافية" التي تخلق تأثيرًا تراكميًا في الوعي الجمعي.

​يبدو اختيار شعار "ما وراء الإطار" أكثر من مجرد عبارة دعائية، إذ يحمل رغبة واضحة في تجاوز الصورة المباشرة نحو ما تختزنه من أسئلة اجتماعية وثقافية وإنسانية، وفي البحث عن الحكايات التي تتوارى خلف التصنيفات الجاهزة والمفاهيم المستقرة، وهو ما ينعكس بوضوح في البرمجة الموازية التي أعلن عنها المهرجان قبل الكشف عن مسابقاته الرسمية.

​لعل الاحتفاء بالسينما التونسية هذا العام يشكل أحد أكثر الخيارات دلالة واتساقًا مع روح الدورة الجديدة، فالتجربة التونسية، كما أشارت مديرة المهرجان ندى دوماني، استطاعت أن تطور لغة سينمائية خاصة بها تتسم بالجرأة والتجديد والعمق، وأن تسهم في صياغة السردية العربية المعاصرة وتفرض حضورها في المحافل الدولية بوصفها واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا وحيوية. والحقيقة أن استعادة أفلام مثل "صمت القصور" لمفيدة التلاتلي، و"ساتان روج" لرجاء عماري، و"آخر فيلم" لنوري بوزيد، مرورًا بـ"نحبك هادي" لمحمد بن عطية و"على كف عفريت" لكوثر بن هنية، وصولًا إلى "اغتراب" لمهدي هميلي، لا تبدو مجرد بانوراما تاريخية، بل قراءة ضمنية لمسار سينما استطاعت أن تجعل من القضايا الفردية مرآة لتحولات المجتمع العربي بأسره، وأن توازن بين المحلية والكونية دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية أو حساسيتها الجمالية. هذا الاحتفاء ليس مجرد تكريم، بل هو في رأيي تتبعٌ لـ "جينات" السينما العربية التي تحولت من المحلية الضيقة إلى العالمية الواسعة.

​في الوقت نفسه، يواصل المهرجان رهانه على السينما الأردنية، ليس من باب المجاملة المحلية، بل بوصفها تجربة تتشكل وتتوسع وتحتاج إلى منصات تمنحها فرصة الظهور والحوار. ويكتسب قسم "خارج المسابقة" أهميته من هذا المنظور، إذ يتيح عرض أعمال لا تنطبق عليها الشروط الرسمية للمنافسة، لكنها تحمل قيمة فنية خاصة وتثري المشهد العام للمهرجان، سواء من خلال أفلام مثل "سينما كواكب" لمحمود المساد أو "غرق" لزين دريعي، إلى جانب أعمال عربية أخرى تعكس تنوع التجارب والرؤى.

​الأهم ربما هو إطلاق قسم "صنع في الأردن"، الذي يركز على أفلام خرجت من بيئات تعليمية وورش تدريبية متخصصة، بما يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة من صناع السينما، ليس فقط باعتبارهم مستقبل الصناعة، وإنما بوصفهم أصواتًا تحمل حساسيات مختلفة وأسئلة جديدة حول المجتمع والهوية والواقع المعاش.

​أما العروض الخاصة فتؤكد استمرار المهرجان في بناء جسور بين السينما العربية والعالمية، من خلال استضافة أعمال تمتلك حضورًا فنيًا وإنسانيًا لافتًا، مثل الفيلم الفلبيني "ما روزا" لبريانتي مندوزا، الذي يتيح للجمهور فرصة اللقاء مع أحد أبرز الأسماء السينمائية الآسيوية المعاصرة، إلى جانب فيلم "من لا يزال حيًّا" للمخرج السويسري نيكولا فاديموف، الذي يتناول الذاكرة والاقتلاع والانتماء عبر أصوات من غزة، في تذكير بأن السينما لا تزال قادرة على أن تكون مساحة للمقاومة الإنسانية وحفظ الشهادات الفردية في مواجهة النسيان. كما أن إعادة عرض فيلم الافتتاح "صوفيا" لظافر العابدين تمنح الجمهور فرصة إضافية للتفاعل مع عمل يفتتح به المهرجان دورته الجديدة، بما يعكس رغبة في توسيع دائرة المشاركة وعدم حصر التجربة في اللحظة الاحتفالية الأولى.

​من اللافت أيضًا أن المهرجان يواصل سياسته الرامية إلى كسر مركزية العرض السينمائي، سواء عبر تقديم سبعة عشر فيلمًا قصيرًا مجانًا في فضاءات عامة مثل بوليفارد العبدلي، أو من خلال تنظيم عروض في محافظات أردنية مختلفة، وهي خطوة تؤكد أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بصناعة الأفلام، وإنما بصناعة جمهور جديد قادر على التفاعل مع السينما بوصفها جزءًا من المجال العام والثقافة اليومية. 

​ربما يكون هذا أحد أهم التحديات التي تواجه المهرجانات العربية اليوم: كيف تتحول من مناسبات نخبوية مؤقتة إلى مؤسسات ثقافية مستدامة تخلق علاقة عضوية بين المجتمع والفن.

​إذا كان ما أُعلن حتى الآن يمنح مؤشرات إيجابية حول هوية الدورة السابعة، فإن الترقب الحقيقي يبقى مع الكشف عن الأفلام المتنافسة، وما إذا كانت ستنجح في مواصلة التقليد الذي رسخه مهرجان عمّان خلال سنواته السابقة، القائم على اكتشاف الأصوات الجديدة والرهان على السينما الأولى بوصفها لحظة ولادة جمالية وفكرية مختلفة. وما يتمناه المتابعون أن يحافظ المهرجان على هذا التوازن الدقيق بين البعد الاحتفالي والبعد الثقافي، وأن يواصل انفتاحه على التجارب العربية الجادة دون الوقوع في أسر الأسماء اللامعة وحدها، وأن يمنح مساحة أوسع للأفلام التي تذهب فعلًا إلى "ما وراء الإطار"، لا كشعار موسمي، بل كفلسفة سينمائية تبحث عن الإنسان وحكايته في أكثر المناطق تعقيدًا وثراءً.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة