حقق منتخب مصر أرقامًا مهمة بعد فوزه على نظيره النيوزيلندي في الجولة الثانية من مرحلة المجموعات بكأس العالم، أبرزها تحقيق أول انتصار في تاريخ مشاركاته بالبطولة، إلى جانب الاقتراب بدرجة كبيرة من التأهل إلى الدور التالي لأول مرة.
لكن، ربما لا تكمن أهمية ما تحقق في الأرقام المجردة وحدها، بقدر ما ترتبط بطبيعة الإنجاز نفسه. فكل انتصار في بطولة بحجم كأس العالم يرفع تلقائيًا سقف طموحات الجماهير، خاصة لدى جمهور طالما عاش لسنوات طويلة داخل معادلة “التمثيل المشرف”، حيث كثيرًا ما تحطمت الأحلام على صخرة الفوارق الكبيرة في الإمكانات والخبرات بين اللاعب المصري ونظرائه في المنتخبات الكبرى.
وإذا نظرنا إلى مباراة نيوزلندا تحديدا، سنجد أن فرص المنتخب المصري في تحقيق الفوز كانت قائمة بدرجة كبيرة حتى قبل انطلاق اللقاء، ليس فقط بسبب الفوارق الفنية النسبية بين المنتخبين، وإنما أيضًا بسبب الزخم الكبير الذي صنعه الأداء اللافت أمام بلجيكا في الجولة الأولى، إلى الحد الذي جعل التعادل نفسه يبدو غير مرضٍ بعد المباراة، رغم أنه كان يمثل سقف أحلام قطاع واسع من الجماهير قبل صافرة البداية.
لكن الشوط الأول أمام نيوزلندا لم يسر وفق هذه التوقعات، حيث بدا المنتخب أقل حدة، وتراجع أداء عدد من أبرز نجوم اللقاء الأول، بل إن التأخر في النتيجة أعاد إلى الأذهان تساؤلات لم تكن تتعلق بالمباراة وحدها، بقدر ما ارتبطت بعقدة أعمق عرفتها الكرة المصرية في محطات سابقة.
عقدة النشوة المبكرة.
والواقع أن "متلازمة النشوة المبكرة" ارتبطت بالمنتخب المصري في أكثر من محطة، ولعل كأس القارات 2009 تمثل نموذجًا واضحًا لذلك.
فبعد الأداء الاستثنائي أمام البرازيل رغم الخسارة 4-3، ثم تحقيق انتصار تاريخي على إيطاليا بطلة العالم بهدف نظيف، ارتفع سقف الطموحات إلى حد غير مسبوق، وبدا التأهل إلى الدور الثاني أقرب من أي وقت مضى، خاصة مع تبقي مواجهة المنتخب الأمريكي.
لكن النتيجة جاءت صادمة، بعدما خسر المنتخب بثلاثية نظيفة وودع البطولة، في مشهد أعاد طرح السؤال ذاته: هل كانت المشكلة دائمًا في القدرة على تحقيق الإنجاز، أم في القدرة على إدارة ما بعده؟
وربما إذا أردنا العودة إلى الجذر الأقدم لهذه الظاهرة، فلن نجد مثالًا أكثر تعبيرًا من كأس العالم 1990، عندما دخل منتخب مصر البطولة وقتها وسط توقعات محدودة للغاية، قبل أن يفجر مفاجأة مدوية بالتعادل مع المنتخب الهولندي، بطل أوروبا آنذاك، في مباراة قدم خلالها الفراعنة أداءً استثنائيًا أمام أحد أقوى منتخبات العالم.
بدا التعادل وقتها وكأنه إنجاز يتجاوز مجرد نقطة في جدول المجموعة، إذ أعاد تشكيل نظرة الجماهير إلى سقف الممكن، وفتح الباب أمام حلم التأهل إلى الدور التالي، خاصة مع مواجهة بدت أقل تعقيدًا أمام أيرلندا، ولكن ما حدث لاحقًا كشف جانبًا آخر من الأزمة.
ففي المباراة التالية، لم يظهر المنتخب بنفس الشراسة أو الجرأة التي لعب بها أمام هولندا، وبدا وكأن الإنجاز الأول استنزف جزءًا مهمًا من الزخم الذهني للفريق لتنتهي المباراة بالتعادل، قبل أن يخسر المنتخب لاحقًا أمام إنجلترا ويودع البطولة.
لهذا، ربما لا يتمثل الإنجاز الحقيقي لمنتخب مصر اليوم في الفوز على نيوزلندا وحده، ولا حتى في الاقتراب من التأهل إلى الدور التالي لأول مرة.
الإنجاز الأهم ربما يكمن في شيء آخر، يتجلى في أن المنتخب نجح، ولو جزئيًا، في تجاوز اختبار النشوة المبكرة.
صحيح أن الشوط الأول حمل بعض الملامح التي أعادت للأذهان سيناريوهات سابقة، سواء من مونديال 1990 أو كأس القارات 2009، حيث ظهر قدر من التردد وتراجع الإيقاع، وكأن الفريق لا يزال يعيش تحت تأثير ما حققه أمام بلجيكا.
لكن ما بدا مختلفًا هذه المرة هو رد الفعل، ففي الشوط الثاني، استعاد المنتخب توازنه، ونجح في استعادة شخصيته داخل الملعب، ليتحول من فريق بدا مهددًا بالوقوع في الفخ نفسه، إلى فريق قادر على تصحيح مساره داخل المباراة نفسها.
وهنا تحديدًا قد يكون الفارق، فالسؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا فقط بالمنافس القادم، ولا حتى بحسابات التأهل، بقدر ما يتعلق بقدرة هذا المنتخب على الحفاظ على الجوع الذهني نفسه مع كل خطوة جديدة، لأن التحدي الأكبر في البطولات الكبرى لا يكون دائمًا في تحقيق الإنجاز الأول.
أحيانًا، يكون التحدي الأصعب هو ألا تتعامل مع هذا الإنجاز باعتباره النهاية.
أعتقد أن العودة في حد ذاتها بعد التأخر في الشوط الأول في مباراة نيوزلندا تحمل أهمية كبيرة تتجاوز النتيجة النهائية، لأنها قدمت مؤشرًا واضحًا على قدرة المنتخب على استعادة توازنه الذهني داخل المباراة نفسها.
فإذا كان التقدم والأسبقية أمام بلجيكا قد عكس قدرة المنتخب على مجاراة منتخبات الصف الأول في المونديال، فإن العودة أمام نيوزلندا ربما كشفت عن أمر لا يقل أهمية، يتمثل في القدرة على تجاوز الضغوط والتعامل مع التحولات المفاجئة التي تصنع تفاصيل المباريات الكبرى، ففي البطولات الكبرى، لا تصنع التاريخ الفرق التي تعرف كيف تحقق الإنجاز فقط، بل الفرق التي تعرف كيف تتجاوزه سريعًا بحثًا عن الإنجاز التالي.
وهنا يمكننا القول بأن مسؤولية حسام حسن أكبر من مجرد إدارة المباريات من الناحية الفنية، إذ تمتد إلى إدارة الحالة الذهنية للفريق بأكمله، عبر الحفاظ على الروح المعنوية، وتعزيز الثقة، والأهم منع الاكتفاء بأي إنجاز مرحلي، وذلك ربما يمثل التحدي الأكبر إذا أراد المنتخب الذهاب بعيدًا في المونديال.