حازم حسين

انتصار الدم على التورتة

الإثنين، 15 يونيو 2026 02:00 م


يُعرَف الرجال بالحق، ولا يُعرَف الحقّ بالرجال.. قولة علىّ بن أبى طالب الشهيرة، ما جهلها فردٌ بين السنّة أو الشيعة، وما عُمِلَ بها أيضًا.
طغت العصبيّة؛ ثم المصالح والأطماع. مُسِخَت الجغرافيا بالوحدة المُلفّقة، وعادت للتلوّن بالتمايز والشعوبية، وفى كل الأحوال سُحِق الأبرياء تحت سنابك الخيل، ولأجل الشعار وعكسه، دون شعور بالتناقض أو الاستبداد.

والفكرة؛ أن الحياة لا بيضاء ولا سوداء. الأرجح أن تغلُب عليها الرماديّة، وتتلاقى المُتضادات فى صدور الناس، والمجتمعات. لا صواب كامل ولا خطأ مُطلَق، ويحدث أن يتحارب طرفان، وأن يخرُجَا خاسِرَين.

كان الحُسين ضحيّة لشيعته وعدوّه معًا، ورّطه طرف وغدر به الآخر، وسار بينهما إلى حتفه بيقين البطل التراجيدى، بحسب ما تُعرّفه الدراما فى فواجعها الكبرى. وهكذا يمكن اختزال الرمز فى أربع كلمات: برىء وحيد بين مُدانَين.

وسِبطُ الرسول ليس كغيره من الأتباع، ولا تصحُّ مُقارنته بأحدٍ؛ أكان السياق مؤتَلِفًا أم مُختلِفًا، غير أنَّ الذين يتشبّهون به، وينتسبون إليه حقًّا أو زورًا، سحبوا الخاص على العام منذ أمدٍ بعيد، وحَكّموا الماضى فى الحاضر، وما زالوا.

تحوّل الدين إلى سياسةٍ فى السقيفة وبعدها؛ ثم تبدّلت السياسة وارتدّت لتصير دِينًا منذ الفتنة الكُبرى، وامتزجا معًا فى فواصل ومحطات؛ لعلَّ أبرزها تشييعُ الهضبة الفارسية مع الدولة الصفوية.

سعى الفُرس لاستعادة مجدٍ سلبه العرب، أو هكذا يَرون. خُلِطَ العِرق بالمذهب؛ لمُعادلة الثِقَل القومى والسُنّى المُقابل، وتجسّدت النزعة الآريّة بأجلى صورها فى الثورة الإسلامية.

ولسنا فى مقام تأريخٍ وتأصيل واقتفاء لجذور مشروع جارح؛ إنما القصد أن البناء تأسَّس على عداوةٍ راسخة، بعضها ظاهر وأكثرها مُضمَر، وانعكاساتها لم تعدم الشواهد قَطّ.

أقام الخمينى فى العراق زمنًا، وما خرج إلا بعد مُماطلة بعثيّة طويلة عقب اتفاق الجزائر، وثابتٌ أن «صدّام» استهجن فكرة الخلاص منه، عندما عرضتها أجهزته الأمنية.

من بلاد الرافدين إلى استراحة فرنسية قصيرة، عاد منها قائدًا لثورة أجّجتها الظروف قبل الخُطَب، واستعرت نارها بمُخلّفات نظام الشاه، ثم بعظام الشركاء من اليسار وبقيّة التيارات المَدنيّة.

استعار المُرشد الأوّل فقه الحاكمية عن الإخوان، وكان سيد قطب اقتبسه دون تبيان من المودودى. إنما ما أُريد أن أتوقّف أمامه، التمهيد الذكى لولاية الفقيه بديلاً عن الإمام الغائب، ثمّ الضبط العقائدى لميزان السياسة وكيف تُقدَّر لاحقًا.

والفكرة الأخيرة جليّة فى عبارته الذائعة: «انتصار الدمّ على السيف». وقد جاءت فى مُستهل التجربة، وبصيغة التأويل لفاجعة كربلاء/ واقعة الطف.
الرمزية أنَّ قتيل آل البيت تغلّب على القاتل الأموىّ، مُنتصرًا بالضعف الطاهر على القوّة الغاشمة. ومُدَّ الخطّ على استقامته للمُحاكاة، ما يخلع عليه وطائفته قداسة الحسين، ويُلقى الخصوم فى المستنقع بجوار يزيد وعصابته.

وكأنَّ العجوز الماكر كان يُوطّئ استباقًا لتبرير الهزيمة أمام العراقيين بعد سنواتٍ. وللكربلائية الثانية بنَحر خليفته، على خامنئى، بعد عقود، ولكلِّ انكسارٍ يُرَاد ابتلاعه بثبات، أو اصطناع رائحة النصر فيه من عَدَم.

الثورةُ رسالة، والدولة حُسينيّة بلا خرائط، ومن صميم مهامّها أن تتمدّد دومًا، وإن انحسَرَت عَرَضًا أو لسببٍ قاهر؛ فإنه اختبار الإيمان، واختلاف أحوال المؤمن، وكلها خير.
تشيع مزحةٌ بين مُتعاطىّ المُخدرات، يتندّرون بها على النقد الأخلاقى: «إن كان حلالاً فإننا نُدَخّنه، وإن كان حرامًا فإننا نحرقه». وكلاهما يُثابُ عليه المرء طبعًا؛ لأنه على وضعية الآمر بالمعروف أو الناهى عن المُنكر!

إن تقدّم حرس الثورة؛ فالحق المُؤيّد من السماء، وإن اندحروا أو تقهقروا، فخَيرٌ لا يعلمه إلا الله. والمهم الصورة والقناعة؛ ثم لا مانع من اختراع مناسباتٍ مُنتفخةٍ شكلاً؛ ولو فارغةً فى المضمون.

تآكَلَ حبلُ الجدل بعد أسابيع التفاوض، والكرّ والفرّ، وتصعيد الأمريكيين وتبريدهم. واتُّفِقَ أخيرًا على ورقةٍ إطارية، تُمدِّد الهُدنة، وتُفضى لحوارٍ على الخلافيّات، مداه شهران، وقد يطول برغبة الطرفين، أو يأسهما، لا فَرق.

بشّر سيد البيت الأبيض بقُرب التوقيع، ثمّ حدّد الباكستانيون يوم الأحد، وما تردّدت اعتراضاتٌ من طهران؛ قبل أن يستفيق أحد صقورها الأذكياء، ويُوعز للباقين بالتلكّؤ؛ لأن الموعد يوافق عيد ميلاد ترامب.

تبدو العِلّة تافهة؛ غير أنها لو وُضِعَت إلى جوار أُختِها لتضاعَف المعنى. إذ اعتُمِدت مراسم جنازة المُرشد القتيل، موزّعة على عِدّة أيام، تبدأ بِعِيد الاستقلال الأمريكى/ 4 يوليو.

أراد الأوّلُ أن يحتفل بمولده، مع صورة نصره وإذعان الغريم؛ فقرَّر الآخرُ أن يحرمه الفرصة، ثمّ عمَدَ لتلويث العيد المائتين والخمسين بالجنازة، وانتصار الدم على السيف.

ومن باب أن الشىء بالشىء يُذكر.. يُلاقيهم على السرديّة بديلٌ لا يقلّ غباء، افتتح حضوره فى دمشق باستعادة السيرة الأُمويّة، وميراث أربعة عشر قرنًا يستنكف توظيفه شيعيًّا، ولا يتورّع عن إعادة إنتاجه سُنيًّا.

يتربص الأعداء بالمنطقة؛ غير أن المُتطرفين من أهلها، بكلِّ صنوف التطرّف وألوانه، أكثر إضرارا بها. منذ نشأة الإخوان، مرورا بجبهة الصمود والتصدى، وجنون البعث بجناحيه، ثم المُمانَعة، وحزب الله والحوثيين وبقيّة ميليشيات الشيعة، وسَميّتها السُّنيّة كالقاعدة وداعش، وذوى الهوى العثمانى الجُدد.

ينتصر الدم على التورتة.. سيتأخّر التوقيع؛ إنما سيحتفل به ترامب مع الاستقلال، بينما يُشيّع خصومه قتيلَهم، مُتواطئين على هزيمتهم بالشعار الكربلائى، ومُنتظرين فى خيالهم البعيد أن يعود الإمام؛ لينتصر السيفُ على الدم.. وفى الطريق إلى الوهم ستتكسّر سيوفٌ، وتُنحَر أعناقٌ بلا عدد!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة