تبدأ الحكاية بـ "زغروتة" تهز أرجاء القاعة الفاخرة، وتنتهي بـ "إيصال أمانة" يهز جدران الاستقرار الأسري.
في مجتمعنا اليوم، استبدلنا البساطة بالبهرجة، وتحولت "ليلة العمر" من بوابة للسكينة إلى فخ ملوكي منصوب، يقع فيه العروسان بكامل إرادتهما، أو مدفوعين بسياط "المنظرة" الاجتماعية.
في الصالة اللامعة، يبتسم العريس لعدسات الكاميرات، لكن قلبه يرتجف مع كل نقرة على الطبلة، ليس فرحاً، بل حساباً لتكلفة تلك الدقة.
هنا في "الفرح الملوكي"، باهظ التكاليف، لا تدفع ثمن العشاء والموسيقى فحسب، بل تشتري وهماً باهظ الثمن، يُعرض لعدة ساعات على منصات التواصل الاجتماعي، ليبقى "التريند" ليلة واحدة، وتبقى "الديون" لسنوات طوال، إنه التناقض الصارخ؛ حيث يغرق الشاب في ديون الغد ليشتري مظاهر اليوم.
المفارقة الساخرة، في حفلات زفاف الاستعراض والبذخ من البعض، تكمن في أن المعازيم الذين التهموا العشاء الفاخر وانتقدوا جودة "البوفيه" قبل أن يصلوا إلى بيوتهم، لن يقاسموا العروسين طابور المحاكم أو زيارات محصلي الأقساط.
يتحول الفستان الأبيض إلى كفن للميزانية، وبدلة العريس الفخمة إلى رداء غارم مهدد خلف الأسوار، تنطفئ أنوار القاعة، تذبل الزهور، ويبقى العروسان وحدهما في مواجهة حقيقة مرة: لقد أسسا بيتاً على أرض من ديون، وسقفا السعادة بوعود مؤجلة.
بين بخل العواطف وإسراف المظاهر، تضيع بهجة البدايات، إننا بحاجة إلى ثورة وعي تدرك أن قيمة الشريك لا تُقاس بحجم القاعة، وأن المحبة لا تُشترى بشيكات بدون رصيد.
البيت السعيد يُبنى بالود، لا بالديون، ومن يشتري ليلته ببيع سنواته، يصحو قريباً على واقع لا يرحم الراقصين على السلم.
محمود عبد الراضي، مقالات محمود عبد الراضي، تجهيزات الزواج، تكاليف الأفراح، الديون والزواج، المجتمع المصري، المظاهر الاجتماعية، قضايا أسرية، الغارمين، غلاء الأسعار في مصر