في مفارقة مجتمعية ونفسية تثير القلق، نلتقي يومياً بشباب في مقتبل العشرينيات، لكنهم يحملون أرواحاً متعبة، وملامح مرهقة، وكأنهم تجاوزوا الخمسين من عمرهم. يشتكون باستمرار من فقدان الشغف، وانعدام الطاقة، والإحساس الدائم بالإحباط والتقصير. هذه الحالة التي يمكن أن نطلق عليها مجازاً "عواجيز في العشرين"، ليست مجرد حالات فردية عابرة، بل هي ظاهرة سوسيولوجية تستحق التفكيك والتحليل؛ لأنها تدق ناقوس الخطر حول ما يفعله مجتمع الاستهلاك والاستعراض بأجيالنا الشابة.
تاريخياً، كانت مرحلة العشرينيات هي فترة "التجربة والخطأ"، وهي المساحة الآمنة لاكتشاف الذات، وتغيير المسارات، وبناء الأحلام خطوة بخطوة بطبيعة بشرية متدرجة. لكن ما يحدث اليوم هو عملية "سرقة" ممنهجة لهذا الحق الفطري. لقد خلقت شاشات التواصل الاجتماعي سردية وهمية ومشوهة عن مفهوم "النجاح"، تروج بكثافة لنموذج (المليونير الشاب) الذي يمتلك سيارات فارهة، وشركات كبرى، وملايين المتابعين قبل أن يتجاوز عامه الخامس والعشرين.
هذا الضغط المجتمعي غير المرئي، والمقارنات المستمرة والمجحفة التي يتعرض لها الشاب يومياً عبر شاشة هاتفه، وضعته في سباق محموم لا ينتهي. أصبح الشاب يشعر دائماً أنه "متأخر"، وأن أقرانه يسبقونه بمسافات ضوئية. وبدلاً من أن يستمتع برحلة التعلم والنمو الطبيعي، تحول إلى آلة تركض بلا هوادة خلف سراب النجاح السريع والمظاهر الخادعة.
النتيجة الحتمية لهذا الضغط الهائل هي ما نراه اليوم من انتشار لظاهرة "الاحتراق النفسي المبكر". لقد جردنا شبابنا من متعة البدايات، وحرمناهم من حق الفشل والتعلم منه. أصبح الخطأ في نظرهم كارثة، والتعثر نهاية للعالم. إننا أمام جيل يتم استنزاف طاقته النفسية والذهنية في مقارنات وهمية، قبل حتى أن يبدأ معترك الحياة الحقيقي.
نحن بحاجة ماسة إلى إعادة ضبط بوصلة "النجاح" في مجتمعنا. يجب أن نتوقف عن تصدير النماذج الاستثنائية – وربما المزيفة – وكأنها القاعدة العامة التي يجب على الجميع الوصول إليها. النجاح الحقيقي ليس في حرق المراحل وتجاوز الزمن، بل في التطور الطبيعي، وبناء الذات بصلابة، واكتساب الخبرات المتراكمة عبر التجربة والتعثر والنهوض.
رسالتي لكل شاب: لا تسمح لسباق الأوهام أن يسرق عمرك أو يشوه رؤيتك لقيمتك الحقيقية. أنت لست متأخراً في مسار حياتك، ولا يُشترط أن تكون بطلاً خارقاً في العشرين. استرد حقك في التجربة، وعش مرحلتك العمرية بهدوء وسلام نفسي، فالحياة رحلة ممتدة للتعلم، وليست مضماراً لسباق لا نهاية له.