حازم حسين

بلاد الناس فى أبدانها

الإثنين، 01 يونيو 2026 02:00 م


العنوان أعلاه شطرٌ من قصيدة بالعاميّة كتبتُها قبل سنواتٍ، وكُنت مُنحازًا فيها لفكرة أن البشر خرائط مُتحرّكة، والخرائط بشر مُتجمّدون، ما ينفى تراجيديّات الارتحال، أو يُقلِّل أثره القاسى على الأقل.

أى أنّ الأوطان فينا، تتنقّل معنا بديناميكيّةٍ ودأب، تُنتجنا ونُنتجها فى الزمان، بغض النظر عن المكان!
غير أننى لم أعُد على إيمانى القديم، وقد جرّبت الغُربة داخل الوطن، ووضعت نفسى كثيرا فى موضع من جرّبوها خارجه، وطغى الاغتراب لدىّ، فى أحوال مُتكرّرة، على كل ما خبرتُه من أُلفةٍ واعتياد، وشبكاتٍ اجتماعيّة تتعقّد ولا تنفكّ من كثافة خيوطها!

انتويت أن أكتُبَ عن رحلة العائلة المُقدّسة، وتحل اليوم ذكرى دخولها الطاهر لأرض مصر من قوسِها الشرقى. ويتصادف تلك المرّة، أن تتزامن مع بدء صوم الرُّسل، الوحيد الذى تتبدّل مُدّته، ويأتى تاليًا لعيدى العَنصَرة وجميع القدّيسين.

تعثّرت فى شكوى زفرَها مُلحّن شاب، اسمه نادر نور، وله أعمال لامعة مع مُطربين مُتنوّعى البلدان والأجيال، ونجاحات تستأهل التوقف أمامها على امتداد عقدين، لكنه تعطّل فترة بإرادته، ثمّ لفظته الساحة الفنية، أو أوصد مُحتكروها الأبواب فى وجهه، كى لا نظلم كيانًا اعتباريًّا لا يأخذ قرارا، إنما يُجبره العُتاة!
والصفة عائدة على طائفة من الناس، تُشبه الفِطرَ فى سلوكه، تتجمّع على بؤرة، ثمّ تكبر وتتّسع، فتظهر بعدما كانت غير مرئية، وتجعل بيئة انتشارها مُقززة شكلاً، وغير صالحة لحياةٍ سواها.

كان الرجل الطيب يعتذر للشعراء وكُتّاب الأغانى الحالمين بفرصة، لأنه لا يعمل على مشاريع راهنة، ولا يطلبه أحد ليسمع، أو يفتح له شبّاكًا ليتنفّس مُجدّدًا. موجود وغائب، ومُعطّل رغم الطاقة والقدرة، وكلاهما وصفة تغريبٍ وتغييبٍ معًا.

تقع الغُربة اختيارا أو اضطرارا، لأسباب شتّى، وبمستويات أدناها الانتقال من حى لحَىٍّ، وإن بدت مُفردة «الموت» أليق بحال الانقطاع والفَقد.
وأعلاها السياحة فى بلاد الله، ومخالطة جغرافيّات وديموغرافيّات من ماء مُغاير، يتيسّر فيها التجانس والامتزاج للبعض، ويكون كاختلاط الزيت بالماء لدى آخرين.

أمّا الاغتراب، فلا يكون إلّا قهرا، كامنا تحت الجلد، ومُتغلغلاً فى الأعماق، حتى أنه لا يترك للنَّفْس هامشًا لشهيقٍ مُريح، بلا انضغاطٍ أو احتراق، تنسحق بينهما المُهَج والأفئدة، أو تذوبُ من الأسى.

تستصحب الغربةُ معها اغترابا، ولو مُؤقّتًا، لحين التأقلم مع البيئة الجديدة وناسها، أمَّا الأخير فلا يستلزم مُفارقة ما اعتدناه من مُفردات الحياة، لأنه لصيق بالذات العاجزة عن الانسجام مع غُلافها، ومادّته الهواء العَطِن أو المعايير المُتبدّلة.

وقد يلجأ المرءُ للترحال بديلاً عن الجفاف على عودِه، أكان لخطرٍ يُلاحق المادّة أو يُطوّق الروح.
ومن ذلك الأمر الإلهى ليوسف النجار: «قم وخُذ الصبىّ وأمّه واهرب إلى مصر»، كما أورد إنجيل متّى. فكانت غُربة الإنقاذ كسرًا للاغتراب، وانتصارا عليه، وهديّة سماويّة تزيد مصر عظمةً على عظمتها، وتُرافقها إلى أن يطوى الله العالمَ كطىّ السجلّ للكُتب.

امتدّ المسار من فلسطين لأسيوط، مرورا برفح والعريش والفرما/ بورسعيد حاليا. خمسٌ وعشرون محطّة، بطول 2000 كيلو متر، وقرابة ضعفها ذهابا وإيابا، ومُدّة إقامة تخطّت ثلاثين شهرًا.

تتوزّع رائحة العذراء وابنها على ثمانى محافظات، وعشرات المزارات من أديرة وكنائس ومغارات وآبار وأشجار، وتراث مادى وغير مادى، إنما بركتهما تعُمّ وادى النيل كاملاً، ولا تترك شبرًا من أرضنا الطاهرة.

بلادٌ مقدّسة، زادها الوهجُ الربّانىُّ قداسةً، وكانت وما تزال تعجن الدهشة والإبداع وتخبزهما على غير مثال. وتتجدّد كأنها طائر الفينيق الأسطورى، إنما دون حاجة إلى نارٍ رماد.

من القصيدة سالفة الإشارة أستعيد: «يا بيوت بتصرف ع الونس/ ريحة رفاقها الغابرين/ اتشَكّل الطين واتخلَق/ واتحَلّل الطين واتْبَنَى/ وأديكى لسّه بيوت فى عين الخَلْق/ وشاهد قبر فى عيون الزمن».

أُدندنُ الكلمات المٌوقّعة، فأتذكّر المُلحن الذى استحضرتُه ولم أعُد إليه.. ساءنى منشوره المُرّ لأوّل وهلةٍ، ومَرّ عاديًّا مع رواجٍ محدودٍ بين العاديين، قبل أن يتحوّل لتجربة اجتماعية ونفسية كاشفة، ومُؤسفة.

رآه أحد المشاهير وعلّق عليه. المستشار تركى آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه السعودية، ومن مُنطلَق الإنسانية وجَبر الخاطر، قال إنه راغب فى العمل معه، وفجأة انفجرت صفحات الفنّانين بالإشادة والاحتفاء.

عاد أصدقاء «نادر» المُنصرفون عنه، وتحوّل الصدّ والإنكار إلى إقبال وامتداح. اكتشف الزملاء أنه بينهم لم يَمُت، وعرَف المُتضخّمون منهم قيمته الفنية، وانحلّت الشِلّة، شكلاً على الأقل، لتُشيد بواحدٍ من خارجها، لغرضٍ فى نفس يعقوب طبعًا.

الحياة بديعة فى التجدُّد، والتعرية، ووضع الناس أمام حقيقتهم.. وبقَدر ما يُشاد بالغريب صاحب المُبادرة الطيبة، يتوجَّب هجاءُ الأقربين الذين دفعوا موهوبًا لحافّةِ اليأس، وأعماق الاغتراب.

«الناس قَمَايِن طُوب/ إذا يطلع بُخار الروح تطيب».. أُردِّد مُجدّدًا من القصيدة، وأكتشف أنَّ الأغلبية نيّئون، ما طابت أرواحُهم، ولا سَوّتهم نارُ التجربة، ولعلّهم ليسوا بشرًا.

ما أقسى الاغتراب على الحالمين، وما أحلى غُربة المسيح إذ حطّت فى مصر، فَلَوّنتها بشرًا وحجرًا وأحلامًا، وبركاتٍ باقية لا تقل ولا تتقادَم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة