منذ اختفاء حضورها السياسي على الأرض، اتجهت الإخوان إلى توسيع نشاطها في الفضاء الرقمي، وتحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة رئيسية لإدارة معاركها السياسية والإعلامية، عبر حملات منظمة تستهدف الخصوم السياسيين، وتعتمد على أدوات رقمية متطورة تشمل الحسابات الوهمية، والوسوم الموجهة، وإعادة تدوير المحتوى القديم خارج سياقه الزمني، بهدف التأثير على الرأي العام وصناعة حالة مستمرة من الجدل والتشكيك.
ومع تطور أدوات الاتصال الحديثة، أصبحت السوشيال ميديا بالنسبة للتنظيم وسيلة منخفضة التكلفة وعالية التأثير، تسمح له بالوصول السريع إلى قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة الشباب، مع القدرة على صناعة روايات موازية للأحداث، وإعادة تقديم الوقائع من زوايا تخدم أجندته السياسية.
حملات التشويه السياسي
وتكشف وقائع السنوات الأخيرة عن نمط متكرر في إدارة الجماعة لحملات التشويه السياسي، يقوم على تفعيل "اللجان الإلكترونية"، وهي مجموعات منظمة من الحسابات التي تعمل بشكل متزامن على نشر محتوى موحد، أو دفع وسوم محددة إلى قوائم الأكثر تداولا، بما يخلق انطباعا زائفا بوجود رأي عام واسع يتبنى نفس المواقف أو السرديات، وهو ما ظهر بشكل واضح خلال السنوات الماضية من خلال رصد إنشاء الجماعة حسابات وهمية وتكرار استخدام حسابات متعددة بهويات غير حقيقية لتضخيم الرسائل السياسية وإعادة نشرها بصورة واسعة.

السوشيال ميديا
إحدى أبرز الأدوات التي اعتمدت عليها الجماعة في هذا السياق، هي إعادة تدوير المحتوى القديم، وهي آلية تقوم على نشر مقاطع فيديو أو صور من أحداث سابقة، ثم إعادة تقديمها باعتبارها وقائع جديدة، بهدف خلق حالة من الإرباك أو إثارة الرأي العام، وهو ما حدث عبر قنواتها التي تعمدت نشر مظاهرات تعود ل2011 و2012، والزعم بأنها تلك المظاهرات تحدث الآن، وشهدت عدة مناسبات تداول مقاطع تبين لاحقا أنها قديمة أو خارج سياقها الزمني، بينما كانت تُستخدم لإسناد روايات سياسية موجهة أو لإظهار مشاهد احتجاجية على غير حقيقتها، فهذا الأسلوب لا يزال حاضرا بقوة ضمن أدوات الجماعة الرقمية.
معلومات غير مكتملة
كما اعتمد التنظيم، على استهداف الخصوم السياسيين بحملات تشويه ممنهجة، تبدأ بترويج مزاعم أو معلومات غير مكتملة، ثم تتوسع عبر آلاف الحسابات لإعادة نشرها وإضافة تفسيرات أو اتهامات تعزز الصورة السلبية المستهدفة، وهو ما حدث ضد المسئولين، عبر نشر شائعات وأكاذيب ضدهم ، وغالبا ما يتم اختيار توقيتات حساسة سياسيا أو اقتصاديا لإطلاق هذه الحملات، بما يزيد من تأثيرها وانتشارها.

الإخوان
وفي أعقاب عام 2013، تصاعدت هذه الاستراتيجية بشكل لافت، خاصة مع انتقال جزء كبير من القيادات والمنصات الإعلامية المرتبطة بالجماعة إلى الخارج، حيث تم بناء شبكات إعلامية موازية تعتمد على التكامل بين القنوات الفضائية والمنصات الرقمية، بما يسمح بإدارة حملات مركبة تبدأ من بث محتوى إعلامي، ثم إعادة تدويره إلكترونيا عبر الحسابات والصفحات والمنصات الداعمة.
تقنية الهاشتاجات
واستخدمت الجماعة كذلك تقنية "الهاشتاجات"، عبر نشر مكثف ومنظم في توقيتات محددة، لإيصال رسائل سياسية معينة إلى قوائم الترند، وهو ما يمنحها زخما إضافيا ويساعد على توسيع دائرة انتشارها، كما لعبت الحسابات الآلية أو شبه الآلية دورا في مضاعفة هذا الانتشار.
خطورة هذه الحملات لا تكمن فقط في حجم الانتشار، بل في قدرتها على إعادة تشكيل الإدراك العام عبر التكرار والتزامن وكثافة النشر، وهي أدوات تجعل من الرواية إذا كانت ناقصة أو مجتزأة أكثر قابلية للتصديق لدى قطاعات من الجمهور، كما أن اعتماد الجماعة على الإعلام الخارجي والمنصات العابرة للحدود ساهم في منح هذه الحملات بعدا دوليا، حيث لا تقتصر الرسائل على الداخل فقط، بل تمتد إلى الخارج بهدف التأثير على الصورة الذهنية للدولة ومؤسساتها، وخلق ضغوط سياسية أو إعلامية موازية.

الذكاء الاصطناعي
ومع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي والتزييف الرقمي، تتزايد التحديات المرتبطة برصد هذه الحملات وكشف أنماطها، ما يجعل من التدقيق المعلوماتي وسرعة كشف الحقائق عنصرين أساسيين في مواجهة حملات التشويه السياسي، خاصة في بيئة رقمية تسمح بإعادة إنتاج المحتوى وتدويره بصورة لحظية وعابرة للحدود.