الليلة، تتعلق قلوب 110 ملايين مصرى بحلم الفرصة الواعدة فى أمريكا، عندما تنطلق صافرة الحكم البرازيلى، رامون أباتى، معلنا بداية مباراة منتخب مصر لكرة القدم، أمام نظيره البلجيكى، والتى تقام فى ملعب «لومن فيلد»، الذى يتسع لقرابة 69 ألف متفرج، بمدينة سياتل الأمريكية. محمد صلاح وعمر مرموش وتريزيجيه وإمام عاشور ومصطفى شوبير، وباقى رفاقهم، أمامهم فرصة تاريخية للوصول إلى أبعد نقطة فى البطولة المقامة على الأراضى الأمريكية؛ ففى بعض اللحظات، تتحول الـ90 دقيقة، عمر مباراة كرة القدم فوق المستطيل الأخضر إلى ملايين الأحلام المعلقة فى السماء، وحكاية شعب يبحث عن الفرح وشحن بطاريات الفخر والاعتزاز، وعن لحظة استثنائية دافئة تروى للأبناء والأحفاد لعشرات السنين.
الليلة، لا يتحدث المصريون عن لعبة كرة القدم، وإنما عن حلم أكبر من الكرة فى حد ذاتها، حلم يحمل اسم مصر وتردده ملايين الألسنة فى مختلف دول العالم، وترفع رايتها ويُعزف نشيدها الوطنى فوق الأراضى الأمريكية.
الليلة، ينتظر 110 ملايين مصرى وأكثر، ليس مجرد لاعبين يرتدون التيشيرتات، ويركضون خلف كرة، وإنما ينتظرون رجالا فى الملعب، يلعبون بقوة وحماس وروح، ويدركون أن هناك الملايين الذين ينتظرون الفرحة، فى البيوت وعلى المقاهى وفى الشوارع، رافعين أعلام مصر عالية.
صلاح ومرموش ورفاقهما تحت قيادة حسام حسن المدير الفنى للمنتخب الوطنى، لا بد أن يدركوا حجم المسؤولية المعلقة على عاتقهم، وأن المصريين بمختلف انتماءاتهم، يلتفون حول الشاشات لمتابعتهم، فى لحظة تندثر فيها الخلافات وتذوب الطبقات، لا فرق بين غنى وفقير، ومثقف وإنسان بسيط، يعيشون فى العاصمة والمدن أو فى القرى، يقيمون داخل مصر أو خارجها، الجميع يرتدون اللون نفسه، ويرددون نفس الدعاء، ونفس الكلمات، ويحملون نفس الأمانى.
لذلك فإن ما ينتظر منتخب مصر فى أمريكا، ليس مجرد المشاركة فى بطولة عالمية جديدة للعبة كرة القدم، إنما مسؤولية كبيرة وفرصة تاريخية واستثنائية، يعبر فيها اللاعبون عن أنفسهم، ويظهرون قدراتهم الفنية، لتحقيق الفوز والوصول إلى أبعد نقطة فى البطولة، لأن التاريخ لا يتذكر عدد المباريات التى لعبها المنتخب، من باب المشاركة، والتمثيل المشرف، وإنما التاريخ يتذكر الإنجازات وكسر المستحيل وصناعة المجد.
تاريخ بطولات كرة القدم المختلفة وفى القلب منها مونديال كأس العالم، منذ انطلاقتها تشى بأن كم من المنتخبات التى لم تكن مرشحة لأى شىء، لكنها امتلكت الإرادة والروح والحماس والشجاعة والإيمان بالنفس، وأحدثت مفاجآت وغيرت من مسار تاريخ اللعبة، ونالت احترام العالم، مثل كرواتيا الدولة الصغيرة التى أبهرت العالم ووصلت نهائى البطولة، وأيضا ما صنعه المنتخب المغربى الشقيق فى آخر نسخة من المونديال العالمى الماضى الذى أقيم فى قطر، عندما فجر المفاجأة وحصد المركز الرابع، ليس ببعيد عن الأذهان، وواصل المنتخب المغربى أداءه الرائع فى المونديال الحالى المقام بأمريكا، عندما أدى واحدة من أهم مبارياته أمام المنتخب البرازيلى، سيد سادة كرة القدم العالمية، وانتزع تعادلا بطعم المكسب.
منتخبات كثيرة أثبتت أن كرة القدم لا تعترف فقط بالأسماء الرنانة، بل بالأداء القوى والإصرار والعزيمة والإيمان والطموح، والمنتخب المصرى ليس أقل من أى منتخب مشارك فى البطولة، بل يضم أسماء كبيرة لها سمعتها الدولية مثل محمد صلاح وعمر مرموش وتريزيجيه، كما يمتلك التاريخ، والجماهيرية والشغف.
محمد صلاح، الذى سطر مجدا كرويا مذهلا وصار نجما لامعا، وشهرته بلغت الآفاق، ما هو إلا مصرى، خرج من الملاعب المصرية، ووصل إلى ما وصل إليه ليس بالحظ، وإنما بالعمل والمثابرة والتضحية والإصرار، والقدرة على تجاوز الصعاب، وتحويل الأحلام إلى واقع ملموس؛ إذن اللاعب المصرى يمتلك القدرة والجدارة، إذا رفع سقف طموحه، وآمن بقدراته.
ومحمد صلاح على وجه الخصوص، ليس وجوده فى المونديال الحالى، من باب المشاركة العادية، وإنما تحدٍ وفرصة أخيرة، ليقود منتخب بلاده نحو إنجاز يبقى خالدا على جدران ذاكرة المصريين جيلا بعد جيل، ويثبت للعالم أنه ما زال قادرا على العطاء، وأن فريقه السابق ليفربول، سيندم أشد الندم لإنهاء التعاقد معه.
أيضا عمر مرموش، يمثل جيلا جديدا لا يعرف الخوف، ومؤمنا بأن مكان المصرى الطبيعى هو المنافسة بين الكبار.
المنتخب الوطنى لكرة القدم، لاعبون وجهاز فنى وإدارى، لا بد أن يدركوا أن ملايين المصريين يعلقون عليهم آمالا كبيرة، يعرفون أن الأطفال فى المدارس يسهرون لمتابعتهم ويحلمون بأن يصبحوا مثلهم، وأن تسجيل هدف فى مرمى المنافس يمكن أن يصنع السعادة الهائلة داخل ملايين البيوت؛ انتصار واحد يمكن أن يمنح شعبا كاملا جرعة كبيرة من الأمل؛ وأداء بطولى واحد يدفع باسم مصر لصدارة عناوين الصحف ووكالات الأنباء العالمية.
مطلوب من المنتخب المصرى، ليس الفوز فقط، ولكن القتال واللعب برجولة وروح وحماس، وأن يظهروا الشخصية التى عرفها العالم عن المصريين عبر آلاف السنين، شخصية الشعب الذى أسس حضارة عظيمة، عندما كانت معظم الأمم تبحث عن بدايتها.