لم تكن الاتهامات المرتبطة بعلاقات جماعة الإخوان الإرهابية بالقوى الخارجية عبر التاريخ مجرد وقائع معزولة، بل تعكس، بحسب ما تكشفه كتب وشهادات، نمطًا ممتدًا في التفكير السياسي للجماعة، يقوم على توظيف التحالفات العابرة للحدود لتحقيق أهدافها، حتى في أكثر اللحظات حساسية، مثل فترة الحرب العالمية الثانية وما شهدته من مزاعم تقارب مع النظام النازي بقيادة أدولف هتلر.
هذا النمط لا يُطرح اليوم فقط في سياق قراءة الماضي، بل يعود إلى الواجهة مع كل خطاب أو وثيقة حديثة تُنسب لتيارات مرتبطة بفكر الجماعة، ومنها الوثيقة السياسية لحركة "ميدان" الإخوانية، والتي تضمنت تصعيد أدوات المواجهة وطرح خيارات حادة في التعامل مع الدولة والمجتمع.
وخطاب العنف الصريح في الوثيقة السياسية لا يمكن فصله عن إرث فكري وسياسي أوسع، تشكل عبر عقود من التفاعل مع صراعات داخلية وخارجية، وترك بصماته على طبيعة الطرح والممارسة.
من هنا، يفتح هذا الملف بابًا لقراءة متشابكة، تربط بين روايات تاريخية مثيرة للجدل حول علاقات الجماعة في الماضي، وبين ما تعلنه الوثيقة السياسية لحركة "ميدان" الإخوانية لنجد أنه امتدادًا لنهج لم يتغير بمرور الزمن.
حيث تكشف كتب ودراسات موثقة عن صورة صادمة لعلاقات الجماعة خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حيث لم تتردد، في فتح قنوات اتصال مع ألمانيا النازية، سعيًا لتحقيق مكاسب سياسية على حساب الوطن.
كتب توثق.. ورسائل تفضح
في كتاب «الدور الخليجي في العراق.. دراسة حالة أحداث الموصل 2014»، ينقل الدكتور جاسم يونس الحريري عن جون لوفتوس تفاصيل صادمة، مؤكدًا أن حسن البنا لم يكن مجرد متابع لصعود هتلر، بل أبدى إعجابًا واضحًا به، وسعى للتواصل معه بعد وصوله إلى السلطة.
ولا تقف الرواية عند حدود الإعجاب، بل تشير إلى أن المخابرات النازية تحركت بالفعل لاستكشاف إمكانية التعاون مع الجماعة، في إطار خطة أوسع لاختراق الشرق الأوسط، مستغلة تنظيمًا عابرًا للحدود لا يعترف بولاء وطني بقدر ما يخضع لأجندته الخاصة.
"شرفة القصر".. ملف التجنيد والتكليف
أما كتاب «عملية شرفة القصر.. أسرار حسن البنا في الرايخ الثالث» للكاتب توحيد مجدي، فيذهب إلى ما هو أبعد، كاشفًا عن ملف "سري للغاية" داخل أجهزة الاستخبارات النازية، بإشراف هاينريش هيملر، يتضمن خطة واضحة لتجنيد حسن البنا لصالح الرايخ الثالث.
وبحسب ما ورد في الكتاب، لم يكن الهدف مجرد تواصل سياسي، بل تكليف مباشر بالعمل من داخل القاهرة لخدمة المصالح النازية، إلى جانب مشروع لتشكيل "لواء عربي" من عناصر الجماعة، يضم عشرات الآلاف، للقتال ضمن صفوف الجيش النازي في الحرب.
حيث ذكر الكتاب أنه عرض هتلر على هيملر ملخصًا قصيرًا عن فكرته وخطته التي سجلها بين صفحات الملف، وقال في جمل سريعة خرجت منه بطريقة نظامية غريبة مثيرة، وطبقاً للملاحظة التي سجلها هيملر، وقع التعهد من البنا في غياب الطرف الألماني، والدليل خلو الورقة من التوقعيات النازية، بينما ورد نص التعهد لسببين رئيسيين، الأول: العمل لحساب النازية من القاهرة، الثاني، ربما الأهم بالنسبة للأدولف هتلر أن يقوم البنا بتجنيد فرقة من خمسين ألف متطوع من شباب جماعة الإخوان من مصر والعالم العربي، على أن يقاتل هؤلاء في الحرب العالمية الثانية، التي كانت مشتعلة بمعظم جبهات العالم لحساب الجيوش الألمانية ضمن فرقة عسكرية نظامية، وهنا برز دور جوبليز، وزير الدعاية النازية، ولقائه مع البنا، وتم تجنيد مرشد الإخوان الأول حسن البنا للعمل كجاسوس لصالح هتلر.
من مواجهة الاحتلال إلى خدمة النازية
وتذهب هذه الطروحات إلى أن جهاز الجماعة الخاص لم يكتفِ بالتنسيق السياسي، بل انخرط في أنشطة ميدانية، شملت نقل معلومات عن تحركات الجيش البريطاني في مصر، ما أسهم في دعم العمليات الألمانية في المنطقة.
أي أن الجماعة لم تكتفِ برفع شعارات مقاومة الاحتلال، بل انزلقت إلى مربع أخطر، يتمثل في توظيف هذه المواجهة كغطاء للتعاون مع قوة احتلال أخرى أكثر عنفًا وتطرفًا.
شهادات إعلامية تزيد الجدل
وتعتبر الفضيحة الأبرز فى تلك العلاقة المشبوهة جاءت من الجانب الألمانى، فبحسب تقارير صحفية أجنبية كشف حوار أجراه أحد العملاء السابقين للنازية، ويدعى جورج سوروز، خلال العام 1998، عن حقيقة التواصل بين أدولف هتلر وجماعة الإخوان الإرهابية خلال الحرب العالمية الثانية، بهدف السيطرة على أوروبا، وفتح ثغرة لانتشار الرايخ فى المنطقة العربية.
وقال موقع «دابليو بى ديلى»، إن نشاط جورج سوروز، المجرى الموالى للحزب النازى، كان يتلخص خلال فترة الحرب العالمية الثانية فى مصادرة ممتلكات يهود أوروبا عنوة لصالح القوات النازية، مضيفا أن نشاطه الحالى ينحو إلى دعم جماعة الإخوان الإرهابية فى أوروبا، من خلال مؤسّسته التى تحمل اسم «سوروز أوبن سوسايتى فاونديشن»، بما يؤكد أن النازية انتهت نظريا على الصعيد لسياسى، لكنها ما زالت قائمة من خلال الإخوان، والدعم الذى يحصلون عليه من عملاء هتلر السابقين.
وكشف الموقع أن نشاط «سوروز» دفع رئيس الوزراء المجرى، فيكتور أوربان، إلى اتهامه صراحة بالسعى لفرض سيطرة الجماعات الإرهابية المتخفية تحت ستار الدين على فضاء أوروبا ودولها الكبرى، خاصة أن مؤسسته الخاصة التى ترتبط بعلاقات مالية مع الدوحة ومؤسسة قطر الخيرية، تدعم المحامين المسلمين التابعين لمؤسَّسات أهلية تُعدّ واجهة اجتماعية وخيرية لجماعة الإخوان الإرهابية فى أوروبا، ومنها مؤسسة «مسلم أدفوكيت» ومقرها الرئيسى الولايات المتحدة الأمريكية.
وأشار «دابليو بى ديلى» إلى أن علاقة جورج سوروز بالمؤسسات الإخوانية فى أوروبا لم تكن بداية علاقة الإخوان بالنازيين، كاشفا عن حوار سابق للعميل النازى مع برنامج «سيكستى مينت» الأمريكى الشهير خلال العام 1998، اعترف خلاله بأن «هتلر» جمعته روابط بالجماعة ومؤسسها، وكان يُخطّط للتعاون مع «الإخوان»، بغرض السيطرة على أوروبا بعد الحرب.
ما تكشفه هذه الكتب والشهادات هو نمط متكرر من السلوك السياسي لجماعة الإخوان الإرهابية، يقوم على فتح قنوات اتصال مع قوى خارجية متناقضة، وتقديم مصلحة التنظيم على حساب الدولة.
وبين رسائل التودد، وملفات "سرية للغاية"، والتجنيد والتجسس، تظل هذه الروايات شاهدًا على اتهامات خطيرة تلاحق تاريخ الجماعة، وتطرح تساؤلات لا تزال مفتوحة حول حدود علاقتها بالقوى الدولية، ومدى استعدادها للتحالف مع أي طرف في سبيل تحقيق مشروعها.