مرة أخرى - وليست أخيرة - أطلق محمد صلاح، نجم الكرة، تصريحات أثارت جدلا وانقساما وانتقادات وهجمات، وأيضا بعض التأييد والتبرير للتصريحات، قال محمد صلاح، إنه ضحى بسنوات شبابه لكى يتمكن من تحقيق مسيرته الاحترافية والوصول إلى هذه المكانة العالمية، وإن الأمر لم يكن سهلا، حيث حرم نفسه من الكثير من المتع واللحظات التى يعيشها الشباب عادة، وكانت التضحية فى سبيل الالتزام بنظام صارم والتركيز الكامل فى كرة القدم، وأنا واحد ممن يتابعون محمد صلاح فى كل أحواله، وسبق وقلت إننا لا يفترض أن نتعامل مع نجم كرة على أنه فيلسوف، ولا يفترض أن يتعامل النجم مع نفسه على أنه يمكنه الحديث فى كل شىء، ومن هنا فإننى - مع تفهمى لتصريح محمد صلاح - أفضِّل قبول المناقشة حوله، مع الأخذ فى الاعتبار أن انتقاد البعض لصلاح لا ينطلق من زاوية عدائية بالطبع، فالجمهور الواسع أغلبه مع نموذج محمد صلاح، شجعه وأيده، واعتبر تجربته أمرا ملهما، وفى المقابل هناك تيار لا يحب محمد صلاح، ويريد قولبته، ويبحث له عن أى زاوية ليهاجمه منها لصالح نماذج لا ترقى لربع صلاح، وهناك نقاد ومؤيدون يختلفون فى رأيهم.
هناك من يرى أن محمد صلاح إذا كان ضحى فقد فعل ذلك لصالح هواية يحبها، وطموح يحققه، ثم إنه حقق عائدا كبيرا لهذا الجهد، وبالتالى فالتضحية ليست بلا مقابل، والبعض تجاوز فى هذه النقطة وقال إنه كون ثروة تكفى أحفاده، وفى المقابل حاول بعض المعلقين أن يجد مبررا لتصريح صلاح مثل الصديق الناقد محمد الروبى، الذى كتب أن «صلاح ووجه بالسخرية من كلمة تضحية، وكأن ملايينه هبطت عليه من السماء، أو منحت له صدقة أو منة، الحقيقة أن الرجل صنع ما وصل إليه بالجهد والانضباط والموهبة، ثم نال فوق ذلك ما هو أهم، حب الناس واحترامهم، لكن كثيرين لا يرون الرحلة، بل يرون فقط النتيجة، ثم يستهزئون».
طبعا كتب معلقون تأييدا لكلام صلاح ورأوا أن حملات الانتقاد والهجوم تأتى نتاج مرض اجتماعى، خاصة لدى بعض من يوصفون بالمثقفين أو النشطاء ممن يهاجمون أى ناجح ويقللون من قيمة أى متميز، وأن صلاح لم ينجح بالصدفة، إنما بالجهد والتضحية فعلا.
وفى المقابل رفض بعض المعلقين الأمر، وقالوا إنه لاعب ممتاز لكن عليه أن يصمت ولا يدلى بتصريحات عادة ما تؤخذ عليه، ويضيف هؤلاء أن صلاح لعب جيدا وحصل على مقابل كبير، وبالغ هؤلاء فى السخرية وخفة الدم والتسخيف لتصريحات صلاح، ومن هؤلاء من نفى أن تكون هناك أى تضحية من محمد صلاح لأنه أخذ مقابلا، والتضحية عادة تتم من دون مقابل، وهؤلاء حصروا التضحية فى كلام مقولب، وفى كفاح تقليدى درامى لشاب أو أم أو أب ضحى بحياته لينفق على أسرته بلا مقابل، وأن صلاح تضحيته لنفسه ومجده، وبمقابل.
ولم ينته الجدل، فقد كتب بعضهم تنظيرا عن كون محمد صلاح سعى ليكون نموذجا غربيا، ولهذا يختلف عن مجتمعه، وهذا الرأى فيه مبالغة ومحاولة لانتزاع أى هوية مصرية عن محمد صلاح، ومع هذا فالآراء متنوعة وطالما كانت من منطلق المتابعة اختلافا او اتفاقا فهى آراء.
وشخصيا، كتبتُ عن محمد صلاح عشرات المرات، وأحاول أن أتعرف على نموذجه، وأراه نموذجا مهما وملهما، سعى لأن يندمج فى مجتمع بريطانيا ضمن عولمة كرة، واحتراف لا يرحم، واختلف عن غيره ممن ضيعوا فرصتهم.
لكن فى ما يتعلق بتصريحه عن التضحية بشبابه، فإننى أنظر له بأنه بالفعل نوع من المبالغة، محمد صلاح عمره 33 سنة فقط، وهو عمر يكاد بعض الشباب يبدأون فيه حياتهم، وبالتالى محمد صلاح حقق مجدا فى شبابه، ولا يزال شابا قادرا على العطاء، لكن يمكن تفهم مشاعره وقد كان نجما لامعا فى العالم كله وفى بلده، وهو فى الخامسة والعشرين، وصعد إلى قمة أمجاده فى الثلاثين، والآن هو فى عمر يقترب - إن آجلا أو عاجلا - من إنهاء رحلته فى الملاعب، خلال سبع سنوات أو أقل، وعليه أن يتفهم هذا، وهو ذكى ومطلع، وعليه أن يعرف أن الاحتراف يمتص اللاعب ونجوميته، وأن هناك نهاية للرحلة، وهو أمر يمثل أزمة لأى نجم حصل على كل هذا التشجيع.
وقد سبق وكتب الكاتب الأورجوانى أدوارد جاليانو: «إن كرة القدم الاحترافية تحول اللعب إلى استعراض، فيه قليل من الأبطال، وكثير من المتفرجين، وهى واحدة من أكثر الأعمال التجارية ربحا فى العالم، يجرى تنظيمها ليس من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب»، وينتقد جاليانو فى كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل» تحويل اللعبة من المتعة إلى التجارة المبالغ فيها، وإلى جنون المال والاحتراف، حيث اللاعب قابل للبيع والشراء والاستئجار، وهو أمر يحول اللاعبين إلى أدوات، ويجعلهم يعيشون الرعب من شيخوخة تبدأ فى الثلاثين».
وهنا يمكن تفهم منطق ومشاعر صلاح ودموعه، فى وداع جمهور طالما صفق له، وهتف باسمه، طوال رحلة امتدت حوالى 15 عاما، ومع أنه لا يزال فى الثلاثين يتكلم مثل كهل، بينما هو فى ريعان شبابه، وعليه إذا كان يريد المزيد من اللمعان أن يعرف أسرار عالم لعبة كرتها دائرية متقلبة.

محمد صلاح وجدل التضحية