وصلت سفينة المنفى بقيادات الثورة العرابية إلى «سيلان» ظهر يوم 10 يناير 1883 وهم، أحمد عرابى، محمود سامى البارودى، محمود فهمى، طلبة عصمت، يعقوب سامى، عبدالعال حلمى، على فهمى، واصطحب ثلاثة منهم زوجاتهم، وسرعان ما حملت حياتهم فى المنفى «البؤس والشقاء، والضياع، حيث أحيطوا بظروف مادية ونفسية ومرضية صعبة انعكست على تصرفاتهم وعلاقاتهم»، حسبما تذكر الدكتورة لطيفة سالم، فى كتابها «عرابى ورفاقه فى جنة آدم».
سبق أمر الخديو توفيق بنفيهم، مصادرته لأملاكهم يوم 14 ديسمبر 1882، وقررت الحكومة ترتيب 30 جنيها معاشا شهريا لكل منهم من 21 ديسمبر 1882، ولم يكن هذا المبلغ كافيا لمواجهة متطلبات حياتهم، وتذكر «سالم»: «كان للحالة المالية لعرابى ورفاقه دورها فى جفاف وقسوة الحياة فى المنفى»، وتضيف: «فى أول لقاء لهم مع حاكم سيلان، طلبوا العمل على رفع المبلغ إلى 50 جنيها، لأن المقرر لا يفى بأعبائهم رغم التقشف الذى يعيشون فيه، ولأنهم فى حاجة إلى إلحاق أولادهم بالمدارس، وتوفير العلاج الطبى».
بعث «عرابى» بخطاب إلى حاكم سيلان فى هذا الشأن، فرفعه إلى وزير المستعمرات البريطانية، حيث كانت سيلان تابعة لها، وتؤكد «سالم» أن وزير المستعمرات رأى أن الطلب معقول، وطلب مخابرة الحكومة المصرية بزيادة المعاش بمعدل 20 روبية يوميا، وكانت تعادل 10 قروش تقريبا، والتقى المبعوث البريطانى «دفرن» برئيس النظار «الوزراء» فى مصر وعرض عليه الأمر، غير أن رئيس النظار لم يرحب، وتعلل بسوء الحالة الاقتصادية التى أدت بالحكومة إلى الاستغناء عن عدد من موظفيها ليس لديهم مورد غير مرتباتهم، وأن المبلغ الذى يرسل للمنفيين سنويا، بالإضافة إلى ما تدفعه الحكومة كفرق تحويل العملة يكلفها الكثير، وأى زيادة تدرج فى الميزانية تؤدى إلى حرج مركزه ومركز زملائه، وتؤكد «سالم»، أن «دفرن» توصل إلى حل وسط، بأن ترسل الحكومة 500 جنيه إضافية إلى حاكم سيلان يوزعها عليهم وفقا لما يراه، وقرر «مجلس النظار» تلك المنحة السنوية فى 28 مايو، مثل هذا اليوم، 1883، بحيث يوزعها الحاكم حسب احتياجات كل منهم.
تعقدت الأمور بخصوص عملية توزيع المنحة، وتوضح «سالم»: «خصص لعرابى مبلغ 18 جنيها و752 مليما شهريا من الـ500 جنيه، ليتبقى 275 جنيها»، وتتساءل: هل كان هناك حرص على إرضاء عرابى بمنحه هذا المبلغ دون الآخرين رغم أن غيره كان يعول أكثر منه؟، وهل جاء نتيجة لتوصية؟، وتضيف «سالم»، أن هذه الزيادة جاءت بناء على موافقة الحكومة المصرية، وربما وضع فى الاعتبار أن عرابى رئيس الجماعة وعليه التزامات فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية الجديدة وما تتطلبه من مصروفات، وتقول إن نائب حاكم سيلان ذكر أن مسألة التوزيع ليست سهلة، لأن المنفيين يشكون من الفقر ومصادرة أملاكهم، وأن من معه عدد صغير من أسرته يتبين أن وراءه عددا آخر مسؤولا عنه فى مصر، وأن المعلومات التى توضح أن زوجتى محمود سامى، وعلى فهمى، لهما ممتلكات تسمح لهما بالعيش، وأن يعقوب سامى ميسور الحال، أما محمود فهمى وطلبة عصمت وعبدالعال حلمى، فليس لديهم إلا معاشاتهم، وعليه فقد خصص لهم المبلغ المتبقى بعد أن حجز منه 17 جنيها للطوارئ.
تؤكد سالم، أن يعقوب سامى تظلم من هذا الوضع، مؤكدا أنهم جميعا فى المنفى سواء، وكلهم يعتبرون فقراء، ولا بد من معاملتهم بالتساوى، وتم رفع الأمر إلى لندن، فأشارت بأنه بعد تخصيص المبلغ المقرر لعرابى من المنحة، تطبق المساواة على الباقى ما عدا محمود سامى البارودى، حيث لا يستحق رفع معاشه لأن إيرادات زوجته فى مصر ثلاثة آلاف جنيه، وأنه إذا تظلم أحد من الخمسة فعليه إثبات دخل الباقيين حتى يمكن تمييزه عنهم، وانتهى الأمر بأن تمتع بالزيادة ثلاثة منهم فقط، لكنهم عادوا ووافقوا على التنازل عن مبلغ من الروبيات لزملائهم ليتساووا معهم، ورفض عرابى إعطاءهم جزءا من الزيادة التى خصته.
ظل باب الشكوى مفتوحا، تذكر سالم، أن التظلمات تعددت من طلبة عصمت ويعقوب سامى وعلى فهمى الذى شكا من أنه يعول 14 شخصا مقيمين معه، ويتحمل مصاريف المدارس التى تصل إلى 19 جنيها شهريا، وأن ما يتبقى له لا يكفى للغذاء والمعيشة والعلاج، خاصة أن مرض زوجته كلفه الكثير، وبعث طلبة عصمت إلى عضو فى البرلمان البريطانى يصف له سوء حالته المعيشية ويطب رفع معاشه، وتضيف «سالم»: «واصل المنفيون طريق الاستعطاف بالتماساتهم للمسؤولين البريطانيين، يستجدون فيها لرفع المبلغ المقرر لهم ويسجلون مصروفاتهم بالتفصيل والضيق الذى يعانونه، ولم يشترك عرابى فى تلك الشكاوى، لأن ما حصل عليه من زيادة كفل له الحياة دون ضنك، ويسفر ذلك على منحة جديدة قيمتها 444 روبية تعادل 45 جنيها شهريا توزع عليهم ما عدا عرابى.