من يتابع التطورات الجارية فى الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قد يرى تكرارا فى الأحداث كأننا أمام شريط فيديو يعاد عرضه كل فترة، تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأنه أمام التوصل لاتفاق عظيم أو لا اتفاق وعندها ستضرب الولايات المتحدة ضربات غير مسبوقة، وترد إيران بأنها تحتفظ لنفسها بحق الرد، وأنها تطلب تأجيل النظر والتفاوض حول مصير اليورانيوم المخصب.
ويطالب الرئيس الأمريكى بفتح مضيق هرمز، فتطالب إيران بصرف جزء من أرصدتها المجمدة أولا، فتطلب الولايات المتحدة فتح المضيق، فتعود إيران لتعرض شروطا ترفضها أمريكا، فتتصاعد الأحداث وتكاد تصل للصدام، تهدأ ثم يعود الرئيس ترامب ليعلن اقتراب التوصل إلى اتفاق كبير ينهى الحرب، وتدور الدائرة ونرجع إلى نفس النقطة تقريبا.
آخر المستجدات كانت ضربات أمريكية لمناطق فى إيران ادعت أنها زوارق تحاول تلغيم مضيق هرمز، إيران أعلنت إسقاط طائرات مسيرة، ثم تزامن هذا مع حديث عن هدنة، وجولة مفاوضات فى قطر، ويبدو أن الطرفين «أمريكا وإيران» يدوران فى حلقة مفرغة، ويتمسك كل طرف بأن يقدم الطرف الآخر على خطوة تشير إلى حسن النية، إيران تريد الإفراج عن الأموال المجمدة مقابل فتح مضيق هرمز مع تأجيل الملف النووى إلى مرحلة تالية.
أما التهديدات التى يطلقها الرئيس ترامب فتبدو جزءا من المناورات، ووسيلة للتحفيز على التفاوض، من دون أن تعنى ما تحمله من معانٍ مباشرة، لأن الرئيس الأمريكى يواجه ضغوطا من الديمقراطيين الذين يسعون لاستغلال أى ضعف فى سياسته الخارجية خلال موسم الانتخابات، بالإضافة إلى ضغوط من الصقور داخل الحزب الجمهورى الذين يرفضون أن يظهر الرئيس بموقف «المهزوم»، ثم إن ترامب بنى جزءا من نجاحه السياسى على انتقاد الاتفاقات السابقة، ما يجعله فى مأزق يتطلب منه استمرار التهديد بـ«أقصى قوة» لضمان عدم تراجعه عن مواقفه المعلنة أو الوصول إلى اتفاق يتجاوز ما توصل إليه الرئيس أوباما.
ومن الواضح وجود حالة من فقدان الثقة بين الطرفين تضاعف من تعقيد المشهد، حيث يرى ترامب أن الإفراج عن الأموال المجمدة دون ضمانات سيجعل الولايات المتحدة فى موقف تفاوضى ضعيف، وفى المقابل ترى إيران أن فتح المضيق قد ينهى الورقة التى تملكها، وتقود حالة عدم الثقة إلى مزيد من التعقيد والعراقيل، تحاول القنوات الخلفية حلها.
ومما يضاعف من حالة عدم الثقة أن هناك غموضا متبادلا وغياب المعلومات لدى كل طرف تجاه الآخر، وهو ما يجعل الطرفين يدوران فى حلقة مفرغة من المناورات بدلا من التقدم نحو حلول ملموسة، حيث إنهما عالقان فى دائرة من المطالب المتبادلة والمتكررة؛ فإيران متمسكة بربط الملفات «مثل النووى ومضيق هرمز» بفك تجميد أرصدتها المالية، بينما ترى الولايات المتحدة أن تقديم هذه التنازلات يعنى فقدانها لأوراق الضغط، ما يجعل الطرفين فى حالة دوران حول نفس النقطة.
وفى النهاية فإن الصراع يغذى حالة من عدم الاستقرار التى تدفع الدول والأطراف المختلفة إلى السباق نحو التسلح لتعزيز قدراتها الدفاعية أو الهجومية، ما يضمن تدفق الأرباح لتجار ومصنعى الأسلحة بشكل مستمر. ومن البداية فإن الحرب الجارية لم تحقق أهدافا سياسية استراتيجية للطرفين، بقدر ما نجحت فى خلق سوق رائج للسلاح، ما يجعل من استمرار هذه التوترات مصلحة لمنتجى وتجار السلاح، لأنها منحت أطرافا دولية وإقليمية عديدة، بما فيها روسيا والصين وأوروبا، فرص بيع كميات ضخمة من الأسلحة.
الشاهد أننا أمام وضع معقد يحمل احتمالات الحرب ويجعل من الصعب التكهن بالوقت الذى تنتهى فيه الحرب ويتم الإعلان عن اتفاق حقيقى، بعيدا عن مناورات تجعل الوضع داخل دائرة مغلقة، من دون نتائج.