علا رضوان

أسد دياب.. مظهر عالمي وجذور قلقة

الأحد، 17 مايو 2026 09:20 ص


عندما أُشاهد فيلماً، لا أقف عند عتبة الشاشة كمُتلقية عابرة؛ بل أدخل قاعة العرض وأنا أُشعل حواسي كافة لتلقّيه. أستمع بوجداني، وأبصر بشوق، وأتحسس النبض الإنساني بجلدي الذي يقشعر في اللحظات الممسوكة درامياً. السينما بالنسبة لي ليست طقس تسلية، ولا مجرد عمل، بل هي موعد مقدّس مع الصدق.

وحين يمتلك العمل السينمائي ميزانية ضخمة تناهز الملايين بالعملة الأجنبية، ويجمع أسماءً بوزن المخرج محمد دياب والنجم محمد رمضان، مسبوقاً بكل هذا السجال السوسيولوجي والجدل الإعلامي، فإن سقف توقعاتي النقدية ارتفع ليلامس السماء. دخلتُ قاعة العرض بمفردي، يملؤني الحماس، وعيني لم تطرف عن الشاشة ولو لثانية واحدة.
وأستطيع أن اجمع أهم المرتكزات الفنيه في نقاط.

أولا:

من زاوية بصرية بحتة، وفي قراءة أولى للمشهدية العامة—وهي زاوية مقصودة ومصنوعة بعناية من قِبل صناع العمل—لا يمكن إنكار مستويات الإبهار البصري؛ فخامة المعارك، وحجم الإنتاج الواضح في التكوينات البصرية والمشاهد المصممة كالمعارض المفتوحة، وتصميم الأكشن الذي نُفذ برعاية متخصصة وسخاء إنتاجي ضخم، يفرض على المتلقي حالة من الترقب والمتابعة دون حراك.
ولكن السينما في جوهرها ليست مجرد استعراض عضلات إنتاجية فخمة وحسب  بل هي "روح، وهويّة، وتماسك درامي"، وهنا تحديداً يكمن الشرخ الواضح في بنية هذا العمل.

لقد شاب الفيلم "استسهال بصري" صادم في مواضع عديدة؛ فبعد أن تبهرك الكاميرا ببعض اللقطات الحقيقية والمتقنة، يسقط الشريط السينمائي فجأة في فخ "الجرافيكس التقليدي" والمؤثرات الرقمية المستعجلة غير الناضجة، كقصر الوالي المصنوع رقمياً بشكل تقليدي  واضح وعدد من المشاهد  أقواها مشهد "غرق الأطفال"—وهو في أصله مشهد تراجيدي قوي—إلا أن كسر حدته  بتصنيعه بشكل رقمي واضح أفقد المتلقي متعة التأثر الشعوري والانفعالي مع الحدث.

ثانياً: جغرافيّة مغتربة وتغييب "الحاضن الشعبي".

الأزمة الأكبر والأعمق التي تسيطر على الوجدان أثناء المشاهدة ليست أزمة تقنية، بل هي أزمة "اغتراب نفسي وشعوري حاد". طوال ساعتين من العرض، يتسلل إليك سؤال قلق وموجع: "أين تقع هذه الأحداث؟" غابت الحبكة الدرامية بغياب مصر الحقيقية عن الشاشة، واختفت قَسَماتها وسماتها الروحية التي نعرفها وننتمي إليها؛ هل يعقل أننا في "مدينة الألف مئذنة" ولم ينسب صوت الأذان من خلفيات الكادرات ولو مرة واحدة ليمنحنا طمأنينة الهوية؟ أين الناي والأغنية الدافئة النابعة من موروثنا وتراثنا لتؤكد للمشاهد أنه يتنفس هواءً مصرياً؟ كنت اننتظر رؤية الفلاحين الكادحين الذين يزرعون أرضهم بأنفسهم وتلوّنت جلودهم بسمرة شمس مصر الشاهدة على التاريخ.

اختزل صُنّاع الفيلم التركيبة السكانية والاجتماعية في خليط هجين من سحنات وأجناس مختلفة: أبطال من الأتراك، والشوام، والعبيد الأفارقة، ليتحرك الجميع في فضاء درامي مشوش، يغرق المتلقي في غربة تاريخية وفنية كبرى عنوانها.

أين ابن البلد، ؟ والفلاح، وصاحب الأرض؟ لقد غاب الحاضن الشعبي تماماً، واُختزلت مصر—ظلمًا وزوراً—في صورة "الوالي المستبد وحاشيته والنخاسين الجلادين"، ليتحول الصراع إلى مواجهة عنصرية مباشرة ومصطنعة بين السود المستعبَدين والمنظومة الحاكمة التي وُصمت  "مصر". وغيبتها بيقصد او دون ذلك؛ فالشعب المصري في تلك الحقبة لم يكن سيداً نخاساً، بل كان يعيش معاناة تزيد قسوة وضراوة، مسلوب الإرادة تحت ويلات السخرة، ودموية الضرائب، والموت المجاني في التجنيد الإجباري. كان يمكن ان يكون البطل من عاني من هذه الويلات التي تخصنا وحرق المصريين بنارها سنين طويلة . المصري تاريخياً كان أول من يرفض العبودية ويثور ضدها بدافع الفطرة والنبل الإنساني.

ثالثاً: ومضات الأداء وبطولة العناصر الموازية

ورغم هذا الخلل الجوهري في هوية النص، وجب أن نعلن الامتنان ونثمن المجهود الصادق لعناصر كانت هي البطل الحقيقي خلف الكاميرا وأمامها:
* أحمد بشاري وهشام نزيه: كتب مدير التصوير بالكاميرا تفاصيل قاسية ومعبرة في ظلال اللقطات، وصاغ الموسيقار بروح النغم شحنة شعورية واكبت الحدث وضخت فيه الحياة.
* علي قاسم وكامل الباشا: برز علي قاسم بحضوره المتميز  ومجهود اري انه البطل الثاني للفيلم ، ولفت الأنظار الفنان المسرحي الموهوب كامل الباشا الذي أضفى بأدائه الواثق لمسة سحرية خاصة، مستنداً إلى خبرة خشبة المسرح ليخطف القلوب بسلاسته وتعبيره الفطري.
* البطلة ( رزان  لا يمكن إغفال الحضور الطاغي لبطلة العمل، والتي قدمت أداءً ممتلئاً بالعاطفة والصدق الإنساني؛ لقد كانت بملامحها المعبرة وحضورها الراقي بمثابة واحة بملامح الاميرات منحت المشاهد صدقآ لطبقة النبلاء  كمثال إنجي الجميلة في فيلم (رد قلبي )واستطاعت بنظراتها الممتلئة بالشجن أن تمنح المشاهد شعورا نبيلا.

رابعاً: تحول النجم ومسؤولية "آل دياب"

وعلى صعيد البطولة المطلقة، فاجأنا محمد رمضان؛ لقد غير جلدته الفنية تماماً، وتخلى عن كليشيهات "النجم المستعرض" والخلطة الشعبية الجاهزة، ليتحدث بصوت وشكل شخصية إنسانية مأزومة يمتزج فيها الضعف الإنساني بالثورة، عبر أداء داخلي ممسوك ونظرات صامتة بليغة، وهو تحول وتطور فني حقيقي يصب تماماً في صالحه كفنان يمتلك موهبة جارفة.

وهنا تحديداً يقع العبء الأكبر على عائلة دياب، التي باتت اليوم في الصفوف الأولى من الناحية الفنية؛ مما يفرض عليها مسؤولية أعمق في إدارة هذه الطاقات، وضبط البناء الدرامي دون الانجراف خلف بريق السينما العالمية ومقاييسها على حساب أصالة الحكاية وجذورها.

ممتنة جداً لهذا السعي والدعم لابتكار فنٍ يحاكي العالمية، بيد أن الروائع الدولية ولدت من رحم  المحلية الأصيلة  ومثال علي ذلك فيلم  "الأرض" للفذ شاهين، حيثما تفوق بجميع الأصعدة وبقي خالداً بوجدان الفن العالمي؛ لكونه غاص بالصدق، والأصالة، والوجع الفعلي المعاش للمواطن المصري البسيط ."




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة