بين دموع الآباء وصمت الأبناء1.. كيف تحول الأحوال الشخصية لساحة صراع تهدر مشاعر الأبوة وتختزل الطفولة؟.. شهادات من قلب المعاناة: ترتيب وسن الحضانة يفرض على الأب الغياب القسري.. والتخيير يضع الابن في مواجهة والده

الأربعاء، 08 أبريل 2026 10:00 م
بين دموع الآباء وصمت الأبناء1.. كيف تحول الأحوال الشخصية لساحة صراع تهدر مشاعر الأبوة وتختزل الطفولة؟.. شهادات من قلب المعاناة: ترتيب وسن الحضانة يفرض على الأب الغياب القسري.. والتخيير يضع الابن في مواجهة والده قانون الأحوال الشخصية

تحقيق أحمد عرفة

<< عبد الحليم ممدوح لا يستطيع قضاء العيد مع أولاده بسبب تعنت الأم ويخشى فقدانهم طوال حياته

<< الأب ترتيبه الـ16 في الحضانة بعد الأم والأجداد والعمات والخالات والابن قد يختار عدم العيش مع والده طوال حياته
<< غياب الأب عن حياة الطفل في سنواته الأولى والمتوسطة يترك أثرا طويل الأمد على نموه العاطفي والاجتماعي
<< دراسة تكشف: مشكلات سلوكية وأكاديمية وانفعالية تصيب الأطفال بعد انفصال الوالد عنهم
<< إلغاء نظام التخيير للطفل وتخفيض سن الحضانة أبرز مطالب الآباء المتضررين
<< إيمان فؤاد: أكثر من 15 مليون طفل طلاق محرومين من الأب وعائلته بالكامل
<< أسامة فتحى جنب ابنه أزمة التخيير بين الأم والأب: لا استطيع الخروج مع أبنائى
<< وكيل تشريعية النواب: مناقشة "الأحوال الشخصية" يتطلب تقديم الحكومة بالقانون أو 60 نائبا
<< دول تطبق وضع منظومة شاملة لرعاية الأطفال ما بعد الطلاق
<< أستاذ علم اجتماع تطالب بالاطلاع على الدراسات العلمية للقومي للبحوث الاجتماعية خلال إعداد القانون

 

حين يغلق باب المنزل بعد الطلاق، لا تغلق فقط أبواب الغرف، بل تغلق معه أبواب القلوب في بعض الأوقات، فـفي في قلب كثير من الآباء بعد الطلاق، تسكن أمنيات بسيطة، أن يرى ابنته تبتسم، أن يحتضن طفله بعد يوم طويل، أن يشعر بأن حضوره يهم، وأن حقوقه لا تهدر، هذه الأمنية الإنسانية، التي تبدو طبيعية وبسيطة، تتحول في كثير من الأحيان إلى صراع قانوني طويل ومعقد، خاصة في قضايا الحضانة.

عبد الحليم ممدوح، أب لطفلتين، إحداهما تبلغ 11 عاما والأخرى ستة أعوام، يعيش هذه المعاناة على أرض الواقع، ذهب في أول أيام عيد الفطر والذي وافق يوم الجمعة لمركز الرؤية لرؤية بناته وإعطائهم العيدية، كل ما تمناه أن يسمع كلمة "كل سنة وأنت طيب يا باشا"، لكن يبدوا أن هذا أصبح حلما بالنسبة له، لم تأت طليقته ببناتها لرؤية أبيهم ليعود إلى بيته محطما، يعاني وحدة لم يختارها بل كان قانون الأسرة الحالي هو السبب فيها.

في صباح أول أيام عيد الفطر، تغمر الشوارع ألوان البهجة والزينة، وتعلو ضحكات الأطفال الذين يركضون حاملين هدايا العيد، لكن هناك قلوب تظل صامتة، تنتظر من يشاركها الفرح، قلب عبد الحليم ممدوح، كان واحدا من تلك القلوب، والألم الذي يعيشه الأب يتضح أكثر في لحظات الفقد اليومية، كما يروي عبد الحليم في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" :"للأسف، في أول أيام عيد الفطر، لم يحضر بناتي لرؤيتي، وكنت أتمنى بشدة أن أشاركهم فرحة العيد، الأطفال بحاجة ماسة لرؤية أبيهم، والغياب المتكرر يترك أثرا نفسيا كبيرا عليهم".

عبد الحليم ممدوح، مثل آلاف الآباء الذين يعانون من قانون الأحوال الشخصية ليس فقط في مسألة الرؤية وعدم التزام الكثير من الأمهات بها، بل أيضا من ترتيب الحضانة وسنها، فالأب في القانون يصل ترتيبه لـ16 بعد الأم وأم الأم وأم الأب والعمات والخالات، وبالتالي كثيرا ما لا يستطيع أن يحصل على حضانة أبنائه حتى سن الـ15، وبعد انتظاره لكل تلك السنوات، يجد أن أبنائه يتم تخييرهم في العيش مع أمهم أو أبيهم، ليجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، خاصة أن الأبناء طوال الأعوام الماضية يكونون قد عاشوا مع أمهم وبالتالي من الصعب اختيار شخص لم يعيشوا معه قبل ذلك رغم أنه والدهم، وبالتالي يصبح احتضان الوالد لأبنائه حلما مستحيل المنال.

خلال شهر رمضان الماضي ناقشت عدة مسلسلات مشكلات قانون الأسرة، خاصة في ظل تصاعد الدعوات بسرعة تعديله، لما يتضمنه من مواد يراها كثيرون أنها لا تشكل فقط ظلما للآباء بل أيضا في حق الأبناء أنفسهم في الاستمتاع بآبائهم في حياتهم، حيث لا يستطيع الطفل الجلوس مع والده أو العيش معه في المنزل أو حتى رؤية عائلة الأب في ظل قانون يعتبر هذا الأمر مجرما حتى الآن، مما يجعل ضحاياه هم الأطفال أنفسهم، الأمر لم يعد يتوقف عند الرؤية والاستضافة بل أيضا في ترتيب الآباء وسن الأبناء في الحضانة، والتي تصل إلى 15 عاما مما يجعل الأب غير قادر على العيش مع ابنه خلال طفولة الأخير، مما لا يجعله قادر على أن يكون جزءا من حياته في أهم مرحلة من مراحل حياة الأطفال.

سن الحضانة وترتيب الأب يثير الكثير من التساؤلات حول تأثيرهما النفسي والاجتماعي على الأطفال، فبينما يركز قانون الأحوال الشخصية على حماية حقوق الطفل، إلا أن التطبيق العملي لبعض البنود يؤدي إلى حرمان العديد من الأطفال من التواصل الطبيعي مع آبائهم، الأمر الذي يشكل فجوة عاطفية كبيرة لا تعوض بسهولة، فالنصوص القانونية التي تمنح الأب ترتيبا أدنى في الحضانة، أو تؤجل تسليم الطفل إليه حتى بلوغه سنا متقدمة، تخلق صدمة نفسية للطفل، فقد يجد نفسه في مرحلة المراهقة محروما من دعم والده العاطفي والاجتماعي طوال سنوات تكوين شخصيته.

الدراسات النفسية تؤكد أن غياب الأب عن حياة الطفل في سنواته الأولى والمتوسطة يترك أثرا طويل الأمد على نموه العاطفي والاجتماعي، وقد يؤدي إلى شعور بالحرمان، ضعف الثقة بالنفس، وارتباطات عاطفية مختلة، فرغم أن قانون الأحوال الشخصية يحاول حماية الأطفال من صدمات الانفصال المبكر بين الوالدين، إلا أن الصياغة الحالية تجعل الأبناء يعيشون حالة من الضياع بين سن الثامنة وحتى الخامسة عشر، وهو سن مفصلي يتطلب توازنا دقيقا بين الاستقرار الأسري وحق الأب في المساهمة الفعلية في حياة طفله.

يتحدث عبد الحليم ممدوح يتحدث عن قانون الأسرة وسن الحضانة بلسان الأب المكلوم الذي يتمنى رؤية أبنائه ورعايتهم ليكون جزءا رئيسيا من ذكرياتهم، حيث يقول :"حفاظا على استقرار الأسرة المصرية وتحقيق التوازن النفسي للأطفال، يجب تخفيض سن الحضانة وتفعيل الاستضافة للأب غير الحاضن، على الأقل مرتين شهريا بخلاف الأعياد، وهذا ليس مجرد حق، بل وسيلة فعالة لتقليل نسب الطلاق في المجتمع المصري تلقائيا".

ويضيف أن الترتيب القانوني الحالي للأب في الحضانة يضعه في موقع ثانوي يضعف دوره، والترتيب رقم 2 يجعل أي زوجة تفكر مليا قبل الإقدام على الخلع، ما سيؤدي حتما إلى انخفاض نسب الخلع، والأهم أن الشريعة الإسلامية تمنح الأب حق الحضانة مع الأم، وليس كما هو مطبق حاليا حيث يُعطى الأب أولوية رقم 16، موضحا أن "إعادة ترتيب حقوق الأب في الحضانة ليست مجرد مطلب قانوني، بل قضية إنسانية تمس الأطفال وأمنهم النفسي، وتساهم أيضا في تعزيز استقرار الأسرة والمجتمع ككل.

في الواقع، يمكن أن يكون تأجيل الحضانة إلى سن الخامسة عشر نوعا من العقاب غير المباشر للأب، بينما الطفل هو الضحية الحقيقية، حيث يحرم من الرعاية الحانية والموجهة التي يحتاجها لتشكيل هويته الشخصية والاجتماعية، حيث إن الأثر النفسي والاجتماعي لهذا الترتيب ليس مجرد جانب فردي، بل يمتد إلى المجتمع ككل، لأن الابن المحروم من والده قد يواجه صعوبات في بناء علاقاته المستقبلية، وتصبح لديه فجوات في مفهوم الأبوة والسلطة، مما يؤثر على سلوكه الدراسي والاجتماعي، كما أن هذا الترتيب يضاعف من أعباء الأم التي تتحمل وحدها مسؤولية الحضانة لفترة طويلة، مما يزيد من التوتر العائلي ويؤثر على جودة العلاقة بين الطفل ووالديه.

الأزمة الحقيقية لقانون الأسرة الحالي تكمن في التوازن بين حماية الطفل وحقوق الوالدين، وبين الحاجة إلى صياغة تشريعية تراعي الفروق الفردية لكل حالة، بدلا من وضع سن ثابت يصل إلى الخامسة عشر عاما، فإن الحل الأمثل يكمن في تطوير آليات الحضانة بحيث تتيح مشاركة الأب بشكل فعال منذ الصغر، مع وجود ضوابط تحمي الطفل من أي تأثير سلبي للانفصال، وهو ما يعزز نمو الطفل عاطفيا ونفسيا واجتماعيا بطريقة متوازنة ومستقرة.

 

مشکلات أبناء الطلاق

في بحث للدكتورة فاطمة الزهراء، خبير اجتماعى بمحکمة الأسرة بمحکمة مصر الجديدة، حمل عنوان "مشکلات أبناء الطلاق - رؤية تحليلية"، ذكرت أن الطلاق ينتج عنه تأثيرات ذات ضغوط سلبية على الوالدين والأطفال، ويعتبر المسبب الثاني للضغط عند الأطفال بعد موت الوالدان أو طلاق الوالدين، وسببا للضغوط النفسية على الطفل أکثر من موت صديقه وهو ما أکدته الکثير من الدراسات السابقة.

مشكلات أبناء الطلاق - رؤية تحليلية
مشكلات أبناء الطلاق - رؤية تحليلية

 

وتضيف أن المشکلات التي قد يواجهها الطفل نتيجة للطلاق تتضمن مشکلات سلوکية، وأکاديمية، وانفعالية، واجتماعية تؤثر على کل سمات الشخصية للطفل، مؤكدة دور کلا من الوالدين فى مواجهة تلك المشکلات أو دورهما فى تفاقم ما يعانيه الأبناء من أعراض ومشاعر سلبية تصل لمرحلة المشکلة والتى قد يکون من الصعوبة بمکان التغلب عليها ومنها مشکلة إدمان المخدرات، واضطراب النمو الجنسى للأبناء ، والفشل والتعثر الدراسى، بالإضافة بعض المشکلات والأثار السلبية خاصة فى حالة افتقاد التوجيه والرعاية والتواصل من جهة الطرف الغائب بعد الطلاق.

مشكلات الأبناء بعد الطلاق
مشكلات الأبناء بعد الطلاق

 

وتشير إلى أن من بين الآثار السلبية على الأطفال السلوك العدواني للأبناء، والانحرافات السلوکية وخاصة إدمان الابناء ، والاکتئاب وأعراضه المختلفة، وسوء التکيف الاجتماعى أکثر من أبناء الأسر المستقرة.

عدد عقود الزواج والطلاق من 2020 حتى 2024
عدد عقود الزواج والطلاق من 2020 حتى 2024

 

مطالب آباء متضررين من قانون الأحوال الشخصية

وأطلق مجموعة من الآباء المتضررين من قانون الأحوال الشخصية في مصر، بيانا نشره الدكتور خالد جمعة، الحقوقي، بدأوه بالآية الكريمة " لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ "، قائلين خلال البيان :" نحن مجموعة من المواطنين، نتقدم بهذه المطالب العاجلة، نظرا لما يمثله هذا الملف من تأثير مباشر على استقرار الأسرة المصرية، والذي يعد أساس استقرار المجتمع والأمن القومي، حيث أثبت الواقع العملي أن نظام الرؤية الحالي لا يحقق تواصلا حقيقيا بين الطفل ووالده، حيث يقتصر على ساعات محدودة في بيئة غير طبيعية، مما يؤدي إلى ضعف العلاقة بين الأب وأبنائه، وينعكس سلبا على الحالة النفسية والتربوية للأطفال".

حالات الطلاق في مصر عبر السنوات الماضية
حالات الطلاق في مصر عبر السنوات الماضية

 

وأضاف البيان :"نعرض المطالب التالية، أولا: إلغاء نظام التخيير للطفل بشكل صريح، لما يسببه من ضغط نفسي وصراع داخلي لا يتناسب مع عمر الطفل، واستبدال نظام الرؤية بنظام الاستضافة الفعلية، بما يشمل مبيت الطفل مع الطرف غير الحاضن لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام أسبوعيا متصلة، بما يحقق التوازن النفسي والتربوي، وفي حالة تعذر استضافة الطرف غير الحاضن لظروف السفر أو العمل، يكون من حقه اختيار أحد أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية (الجد – الجدة – العم – العمة) لممارسة حق الاستضافة".

وتابع البيان :" تحديد سن انتهاء الحضانة عند سن 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت دون تخيير، على أن تنتقل الحضانة بعد ذلك إلى الأب مباشرة، وتعديل ترتيب الحضانة ليكون الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم، وتنتقل الحضانة إليه تلقائيا في حالة زواج الأم أو سقوط أحد شروط الحضانة، والولاية التعليمية تكون للأب باعتبارها جزءا من الولاية على النفس، مع وضع آلية قانونية واضحة للفصل في حالة النزاع، بما يمنع تضارب القرارات ويحقق مصلحة الطفل، وضم جميع قضايا النفقات الخاصة بالأطفال في ملف واحد أمام قاض واحد، مع وضع ضوابط عادلة للنفقة بحيث تعكس الاحتياجات الفعلية للطفل، والتأكيد على الولاية الكاملة للأب وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية".

وأشار البيان إلى ضرورة تجريم منع تنفيذ أحكام الاستضافة أو الرؤية ووضع عقوبات رادعة لذلك، وضمان حق الطفل في التواصل المستمر مع أي من والديه دون منع، ومنع تشويه صورة أي من الوالدين أمام الطفل حفاظًا على سلامته النفسية، والاستعانة بخبراء نفسيين متخصصين لتقييم مصلحة الطفل بشكل علمي، وسرعة الفصل في قضايا الأسرة وخاصة ما يتعلق بالأطفال، موضحا أن الهدف من هذه المطالب ليس تغليب طرف على آخر، بل تحقيق مصلحة الطفل أولا، وضمان وجود الأب والأم في حياته بشكل متوازن وصحي.

تأثير رفع سن الحضانة على معدلات الطلاق
تأثير رفع سن الحضانة على معدلات الطلاق

تواصلنا مع الدكتور خالد جمعة، وهو طبيب علاج طبيعي وأحد المتضررين من القانون، والذي يؤكد أن المشكلة الأساسية تكمن في اختلال التوازن في دور الأب بعد الطلاق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأطفال واستقرار الأسرة، موضحا أن الوضع الحالي يجعل الأب في أغلب الأحيان مجرد ممول، بدون وجود حقيقي في التربية أو المشاركة اليومية، وده ليس في مصلحة الطفل.

ويقول في حديثه لـ"اليوم السابع"، إن الحل يكمن في إعادة التوازن من خلال عدة محاور، منها تحديد سن حضانة مناسب، مع انتقال واضح بعد هذا السن، وتطبيق نظام استضافة حقيقي يتضمن المبيت وتقسيم عادل للإجازات، وضمان دور الأب في التعليم والتربية، مع التزامه الكامل بالنفقات.

ويشير إلى أن هذه المطالب لا تأتي في إطار صراعا بين الأب والأم، وإنما محاولة لإصلاح منظومة الأسرة، كي يعيش الطفل بشكل طبيعي مع الطرفين، لافتا إلى أن أي قانون يجب أن يحقق مصلحة الطفل أولا، ولن يتم ذلك إلا بوجود الأب والأم معا في حياته بشكل فعال، خاصة الأب هو الولي الطبيعي للطفل، ولا ينبغي أن يبقى خارج المنظومة لسنوات طويلة.

ويشرح الطبيب المتضرر مقترحه للتوازن بين الأطراف: "الأب والأم في المرتبة الأولى من حيث الرعاية، وإذا حدث خلل لدى أحدهما، ينتقل الحق للطرف الأصلح، وبعد سن مناسب للحضانة، يكون الانتقال للأب بشكل طبيعي لضمان وجود دور حقيقي في التربية والتوجيه، وهذا لا يعني إقصاء الأم، بل إعادة توازن يتيح للطفل العيش مع كلا الوالدين بشكل طبيعي".

ويضيف أن القانون الحالي يميل لإنصاف المطلقات على حساب الآباء، ويحتوي على ثغرات تجعل الأب مجرد كارت صرافة، إذ كثير من الآباء يدفعون النفقات ولا يعرفون كيفية رؤية أبنائهم، لأن بعض الأمهات يستغلن الأمر كأداة للانتقام بعد الطلاق، لذلك يجب ترتيب الأب في الحضانة بعد الأم، وإذا حدث خلل لدى أحد الوالدين، تنتقل الحضانة للطرف الأكثر كفاءة.

ويؤكد أن الطفل متضرر ويحرم من والده وكأنه يتيم، وهذا ظلم للطفل قبل الأب، وهناك حالات تُستغل فيها القوانين لأغراض انتقامية، مما يتطلب ضرورة وجود قانون منصف يحقق تخفيض سن الحضانة، وتطبيق الاستضافة يومين في الأسبوع، ويشرف الأب على الولاية التعليمية، ويكون له دور فعلي في التربية والتوجيه، وألا تُرفض أي قضايا استضافة بشكل تعسفي، متابعا :"الأهم في النهاية هو مصلحة الطفل أولا، وبعدها الأب والأم، فلا ينبغي لأي طرف أن يكون له نفوذ على الآخر، بل يجب أن يكون هناك عدل وتوازن يضمن رعاية مشتركة، كي يعيش الطفل في بيئة مستقرة ويستفيد من وجود كلا الوالدين".

 

أطفال محرومون من آبائهم

في مجتمع تسعى فيه الأسرة المصرية للحفاظ على تماسكها، تبرز أزمة هذه المرة ليس من الأب نفسه، بل من امرأة تحمل هم الأطفال وحماية حقوقهم، وهي إيمان فؤاد، التي تكشف عن حجم المعاناة التي يعيشها الأطفال بسبب القانون الحالي للأحوال الشخصية، الذي يمنح الأم الأفضلية في الحضانة ويضع الأب في المرتبة الـ16، بعيدا عن أبنائه.

تقول إيمان فؤاد: "حتى ونحن نحمي حقوق الأم، نرى أطفالا محرومين من آبائهم، والقانون الحالي يقطع الرحم، خاصة أن التخيير بين الأب والأم يجعل الأطفال يبتعدون عن آبائهم، وهناك أكثر من 15 مليون طفل طلاق محرومين من الأب وعائلته بالكامل".

 

وتضيف إيمان، مؤكدة أن الحلول واضحة ومجربة: "لابد من إلغاء التخيير، وخفض سن الحضانة إلى 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، كما كان معمولا به حتى عام 1985، عندما كانت الأسرة أكثر استقرارا، والأطفال يتمتعون بحقوقهم الطبيعية في التربية من قبل كلا الوالدين".

المحافظات تشهد أعلى وأقل حالات طلاق
المحافظات تشهد أعلى وأقل حالات طلاق

 

وتؤكد أن استضافة الأب يجب أن تكون محددة وواضحة: "نعم لسن قانون الاستضافة لغير الحاضن يومين أسبوعيا، مع تقسيم الإجازات الرسمية والأعياد مناصفة، وشهر كامل في إجازة الصيف وأسبوع في إجازة نصف العام، حتى يتمكن الأب من المشاركة الفعلية في حياة أبنائه، رغم أن الحضانة بالقانون في صالح الأم".

تتطرق إيمان فؤاد إلى قضية هامة للغاية ألا وهي مسؤولية الأب في النفقة مقابل حقه في الرؤية، حيث تقول :"الأب الذي يشارك في تربية أبنائه سيصرف عليهم وهم معه، بالإضافة للنفقات الثابتة التي يأخذها الحاضن من المحكمة، وهذا سيضمن مشاركة حقيقية وعادلة في تربية الأطفال، ويخفف من الاحتكاك بين الوالدين، ويحقق توازنا نفسيا واجتماعيا للأطفال".

معاناة أسامة فتحي مع قانون الأحوال الشخصية وترتيب الحضانة

تطرقت إيمان فؤاد إلى أزمة تخيير الأطفال بين الأم والأب بعد بلوغ سن الـ15، هذا الموقف الذي سعى الأب أسامة فتحي لتجنبه بعدما تخطى ابنه "يوسف" سن الحضانة، فلم يفضل أن يرى ابنه يقف أمامه في المحكمة ليختار بين أمه وابيه واختار أن يسأله ابنه مباشرة إن كان يحب أن يعيش معه، إلا أن الابن فضل أن يظل مع والدته، لتزداد معاناة الأب الذي لم يعد يستطيع رؤية أبنائه بشكل مستمر.

وفي مجتمع يفترض فيه أن يكون الأب والأم شركاء في تربية أبنائهم، يجد أسامة فتحي نفسه  أسير قانون يُبعده عن أطفاله، محروما من حقه الطبيعي في رؤيتهم والتفاعل معهم، فهو أب لطفلين، يوسف البالغ 16 عاما ومريم البالغة سبعة أعوام، يروي معاناته بصوت يملؤه الألم: "القانون يجعل الزوجة تأخذ الأولاد ومسكن الحضانة بالتمكين، وأكثر من نصف دخلي يُستقطع بحجة النفقات، رغم تنظيمنا للصرف على أبنائنا، لكن القانون لا يسمح لنا برؤيتهم بفترات كافية، لدينا ثلاث ساعات كل أسبوع في الرؤية إذا حضروا، والأعذار كثيرة دائما، كي نتعرف على أخبارهم ونرشدهم ونربيهم، وهذا لا يحدث".

ويشير أسامة إلى أن القانون الحالي قد غير قواعد الحضانة بما يتعارض مع المذهب الحنفي : "القانون رفع سن الحضانة بعد أن كان سبع سنوات للولد وتسع سنوات للبنت، وفقا لمذهب الإمام أبي حنيفة، وهو المذهب المعتمد في الأحوال الشخصية، والإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، وأنا تزوجت على مذهب الحنفي لكن بعد الطلاق لا يتم تطبيق هذا المذهب علينا"، متسائلا :" كيف يُرفع سن الحاضنة إلى 15 سنة؟ الأطفال لن يعرفوا آباءهم حتى هذا السن، وعندما يُخيرون بين الأب والأم، من الطبيعي أن يختاروا الأم لأنهم لم يعرفون والدهم".

ويواصل الأب المتضرر شرح المفارقات القانونية: "ترتيب الأب في الحضانة يأتي في المرتبة الـ16، بعد الأم، أم الأم، أم الأب، أخوات الأم وكل أقارب الأم، ثم يأتي الأب، من الذي سيكون أحن على الأطفال بعد الأم غير والدهم؟ لا أحد، هذا القانون يجعل الأب غائبا عن حياة أبنائه، وهو ما نرفضه، مشيرا  إلى أن القانون يحد من حقوق الأب إلى ما هو أبعد من مجرد الحضانة: "أبنائي لا أستطيع أن أخرج معهم على الإطلاق بسبب حضانة الأم، المرأة تستطيع حبس الزوج عبر قائمة في قضية تبديد القائمة، يوسف، ابني الأكبر، عرض عليه الضم لكنه رفض، وطلب الجلوس مع والدته وشقيقته، وأنا مضطر للعيش في شقة منفصلة، رغم أنني تركت الشقة التمليك لهم".

وبتابع :"نحن متضررون من القانون ونطالب بتعديله، وهناك نقاط جوهرية لابد من مراجعتها، على رأسها سن الحضانة، ترتيب الأب في الحضانة، إلغاء التخيير، وإقرار الاستضافة ليكون يومين في الأسبوع وفي الإجازات أسبوع أو عشرة أيام، كي أتمكن من قضاء وقت كاف مع أبنائي، وأصيف معهم، وأكون جزءا من حياتهم كما يجب".

معاناة أسامة تكشف عن فجوة كبيرة بين القانون وواقع الأسرة المصرية، وتسلط الضوء على ضرورة إعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية بما يحمي حقوق الأطفال والأب على حد سواء، ويحقق التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة.

 

شروط مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية بمجلس النواب

ويؤكد المستشار طاهر الخولي، وكيل اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، أن مناقشة أي قانون داخل البرلمان يخضع لإجراءات دستورية محددة لا يمكن تجاوزها، موضحا أن هناك طريقين أساسيين لطرح أي مشروع قانون، أولهما أن تتقدم الحكومة بمشروع قانون رسمي إلى مجلس النواب، وهو ما لم يحدث حتى الآن فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية، سواء بمشروع جديد أو تعديلات على القانون القائم.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الطريق الثاني يتمثل في تقدم ما لا يقل عن 60 نائبا بمشروع قانون أو مقترح لتعديل التشريع الحالي، وهو ما لم يحدث أيضا حتى الآن، الأمر الذي يجعل من الصعب إدراج قانون الأحوال الشخصية على أجندة المناقشات البرلمانية في الوقت الراهن، إلا في حال تفعيل أحد هذين المسارين.

ويوضح أن مجلس النواب، حال تلقيه أي مشروع قانون أو تعديلات تخص الأحوال الشخصية، سيقوم بإحالته إلى اللجنة الدستورية والتشريعية لدراسته بشكل متكامل، مؤكدا أن اللجنة ستحرص على فتح حوار مجتمعي واسع يشمل مختلف الأطراف المعنية، وفي مقدمتهم مؤسسات المجتمع المدني، والأزهر الشريف، والكنيسة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، إلى جانب الجمعيات التي تمثل المطلقين والمطلقات.

ويشدد وكيل اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، على أن رأي الأزهر سيكون له وزن أساسي في مناقشة القانون، باعتبار أن الشريعة الإسلامية تعد المصدر الرئيسي للتشريع في مصر، وهو ما يفرض ضرورة تحقيق التوازن بين الضوابط الشرعية ومتطلبات الواقع الاجتماعي، بما يضمن إصدار قانون عادل يراعي حقوق جميع الأطراف، ويحافظ على استقرار الأسرة المصرية.

منظومة شاملة لرعاية الأطفال ما بعد الطلاق

تواصلنا مع ثلاثة خبراء في علم النفس والاجتماع، والذين أكدوا ضرورة أن يكون هناك سياق متكامل للحياة لما بعد الطلاق نضمن فهيا الحفاظ على مصلحة الأطفال، وليس التركيز على نقاط محددة فقط، خاصة أن كل طرف من أطراف الصراع يسعى لأخذ كل نقطة لصالحه، بينما يتم تجاهل مصلحة الطفل، مشيرين إلى أن العديد من دول العالم تضع منظومة شاملة لرعاية الأطفال ما بعد الطلاق، تضمن تواصلهم مع كل من الأب والأم وضمان تقديم الآباء والأمهات كافة الأدوار المطلوبة تجاه أطفالهم، وبل واختبار مدى قدرة الوالد والوالدة في القيام بمسئولياتهما بعد الطلاق.

وأضافوا أن هناك دول تعطي فرصة للزوج والزوجة لاختبار قدرتهما على العيش مع بعضهما لمدة عام حال طلبهما الطلاق، لبيان ما إذا كان هناك فرصة لاستمرار الزواج أم أصبح مستحيلا، كما تطلب منهما خلال هذا العام أن يضعا خطة شاملة لرعاية أبنائهما حال الطلاق، تضمن أن يكون الأطفال في حياة كل من الأم والأب وعدم استغلال أي طرف لهما في الصراع.


 

نظام زواج وطلاق معقد

وتؤكد الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق، أن الطلاق في جوهره يُفترض أن يكون نظاما اجتماعيا ينهي نظاما آخر هو الزواج، بهدف احتواء الصراعات وعدم تفاقمها، مشيرة إلى أن الانفصال بين الزوجين لا يعني انتهاء كل الروابط، فهناك رابط أساسي يظل قائما وهو الطفل، الذي يتحمل العبء الأكبر من تبعات هذا القرار.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن ما يُلاحظ حاليا هو أن نظام الزواج نفسه بات يُقام على أرضية مقلقة، حيث لم يعد يجمع عائلتين كما كان في السابق، بل أصبح في كثير من الأحيان يُكتب على ورقة طلاق منذ بدايته، في ظل غياب فكرة العلاقة الممتدة والمستقرة، مشيرة إلى أن الخطاب السائد بين المقبلين على الزواج بات قائما على فكرة تحمل بعضهم البعض بدلا من بناء علاقة إنسانية متماسكة.

وتوضح "زكريا"، أن الشكل الذي يتم به الزواج في بعض الحالات بات يحمل في طياته توقعات سلبية، وكأن الغدر أو الفشل أمر محتمل منذ اللحظة الأولى، لافتة إلى أن الشريعة الإسلامية منحت الرجل أداة الانفصال، لكنها في الوقت نفسه أقرت حقوقا للمرأة، إلا أن الإشكاليات تظهر في التطبيق، خاصة في حالات الطلاق الشفوي الذي قد يترك المرأة دون إثبات قانوني واضح لوضعها.

 

وتشدد على ضرورة عدم ترك هذه القضايا الحساسة رهينة للعادات والتقاليد أو الأعراف فقط، بل يجب تحويلها إلى إطار قانوني واضح ومطمئن يحفظ حقوق جميع الأطراف، مستشهدة بتجربة حضرتها خلال مؤتمر في ماليزيا، حيث تعامل أحد القضاة مع حالة سيدة هجرها زوجها منذ ستة أشهر، فأمرها باستخدام وسائل الإعلان الرسمية لإخطاره ثلاث مرات، وعند عدم استجابته تم تطليقها بشكل قانوني لائق، وهو ما يعكس إمكانية حسم مثل هذه القضايا بشكل منظم وعادل.

توزيع حالات الطلاق بين الحضر والريف
توزيع حالات الطلاق بين الحضر والريف

 

وتشير أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق، إلى أن الأطفال هم الضحية الأولى في حالات الطلاق، حيث يعانون من التوتر وانعدام الأمان نتيجة الصراع بين الأب والأم، لافتة إلى أن المجتمع لا يمنحهم المساحة الكافية للتعبير عن مشاعرهم، بل إن المأذونين أنفسهم باتوا يشعرون بحالة من القلق إزاء تزايد النزاعات أثناء إجراءات الانفصال، في ظل تراجع دوافع الحفاظ على كيان الأسرة وفقدان الزواج لقدر من قداسته.

ارتفاع حالات الطلاق في مصر
ارتفاع حالات الطلاق في مصر

 

وتضيف أن المعرفة المجتمعية بطبيعة الزواج والطلاق لا تزال محدودة، في وقت لا يقوم فيه رجال الدين بالدور التوعوي الكافي، كما أن تدخل الأصدقاء والعائلات في الخلافات الزوجية يسهم مثيرا في تأجيجها بدلا من حلها، ومثل هذه الوقائع تعكس كيف يمكن أن تتحول النزاعات الأسرية إلى مآس إنسانية.

متوسط سن الزواج خلال الفترة (2020 - 2024 )
متوسط سن الزواج خلال الفترة (2020 - 2024 )

 

وتطالب الدكتورة هدى زكريا، بضرورة التعامل مع ملف الطلاق بجدية أكبر من جميع الجهات، من خلال عقد مؤتمرات موسعة تضم خبراء في علم الاجتماع وعلم النفس، للبحث في تداعياته، خاصة على الأطفال، متسائلة: هل من المنطقي أن تنتهي العلاقة بالقطيعة الكاملة؟ ولماذا لا توجد تدخلات مهنية كافية لدعم الأسر بعد الانفصال؟

كما تنتقد بعض الممارسات الاجتماعية التي تزيد من تعقيد الأزمة، مثل تدخل الأهل بشكل مفرط أو الضغط المادي على أحد الطرفين، مشيرة إلى أن الأزمات بعد الطلاق في مصر باتت أكثر حدة، وقرار الزواج يجب أن يسبقه وعي حقيقي بمعنى التعايش السلمي، وليس مجرد تأثر بالصورة الرومانسية التي تقدمها السينما، والتي تصور الزواج كنهاية سعيدة للحب، بينما هو في الحقيقة نظام قائم على المسؤوليات والتحديات.

معدل الزواج الخام طبقاً للحضر والريف وإجمالي الجمهورية (2023- 2024)
معدل الزواج الخام طبقاً للحضر والريف وإجمالي الجمهورية (2023- 2024)

 

وتشير إلى أن بعض البرامج الموجهة للسيدات تساهم في إحداث مشكلات زوجية، خاصة أن بعض الإعلاميات ليس لديهن ثقافة تقديم محتوى جيد يساهم في تماسك الأسرة، مؤكدة أهمية إعادة بناء الوعي المجتمعي، والاطلاع على الدراسات العلمية الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، لفهم أعمق لقضايا الزواج والطلاق، بما يسهم في بناء أسر أكثر استقرارا وتماسكا.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة