أيتام فى حياة آبائهم 1.. مسلسل أب ولكن يسلط الضوء على الأزمة.. و«اليوم السابع» تكشف المسكوت عنه فى حق الرؤية.. شهادات لآباء لا يستطيعون رؤية أبنائهم منذ سنوات.. تشوهات نفسية واضطرابات شخصية تواجه ملايين الأطفال

السبت، 14 مارس 2026 07:00 م
أيتام فى حياة آبائهم 1.. مسلسل أب ولكن يسلط الضوء على الأزمة.. و«اليوم السابع» تكشف المسكوت عنه فى حق الرؤية.. شهادات لآباء لا يستطيعون رؤية أبنائهم منذ سنوات.. تشوهات نفسية واضطرابات شخصية تواجه ملايين الأطفال مسلسل "أب ولكن" يسلط الضوء على قضية "حق الرؤية"

تحقيق / أحمد عرفة

 

<< أرقام مفزعة لحالات الطلاق خلال السنوات الماضية

<< أب بٌترت قدمه يواجه تعنت الأم فى إحضار أبنائه: نفسى أشوفهم

<< مشاجرات وجرائم أمام مراكز الشباب خلال تنفيذ الرؤية

<< أستاذة بالقومي للبحوث الاجتماعية: الأب تحول من شريك يومي لضيف أسبوعي لدى بعض الأطفال وهذا يجعل لديهم شعور بعدم الأمان

<< سوسن فايد: الرؤية المحدودة في أماكن عامة تجعل الطفل مضطربا نفسيا وعاطفيا

<< محامون داخل قانون الأسرة: لا عقوبات حاسمة ضد الأم التي تشحن أطفالها ضد أبيهم

<< رئيس مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء سابقا: نصيب الأب خلال حضانة 15 عاما ثلاثة شهور فقط

<< واعظة بوزارة الأوقاف: الطلاق يُنهي العلاقة الزوجية ولا يُنهي علاقة الأبوة أو الأمومة

<< جيهان ياسين: الرسول قرر أولوية الحضانة للأم في سن الصغر لكنه لم يُسقط حق الأب

 

لم يعد الطلاق مجرد نهاية لعلاقة زوجية بين رجل وامرأة، بل أصبح في كثير من الأحيان بداية لصراع طويل يدفع ثمنه الأطفال قبل أي طرف آخر، ومع تزايد معدلات الطلاق في مصر خلال السنوات الأخيرة، برزت أزمة "حق الرؤية" كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المجتمع ومحاكم الأسرة، وقد أعاد مسلسل "أب ولكن"، تسليط الضوء على هذه القضية الشائكة، بعدما كشف المعاناة الإنسانية والنفسية التي يعيشها الآباء والأبناء في ظل نظام الرؤية الحالي، فبين خلافات الكبار ونصوص القانون، يجد الطفل نفسه عالقًا بين طرفين، يفتقد الشعور بالأمان والاستقرار الأسري، بينما يتحول الأب في أحيان كثيرة إلى ضيف أسبوعي في حياة أبنائه، وهذه الأزمة المتفاقمة تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول ضرورة مراجعة التشريعات بما يحقق مصلحة الطفل ويحفظ حقوق جميع الأطراف.

" أ . م " ، يعمل محاسبا في إحدى الشركات، تزوج منذ سبع سنوات، كان كل حلمه أن يعيش في بيت سعيد وسط زوجته ونجله، إلا أن أمنيته باءت بالفشل بعد تدخلات أهل الزوجة المتكررة في حياتهما لتتحول تلك الحياه إلى جحيم وتزداد المشكلات، كلما حاول السيطرة عليها عاد الأهل بمشكلات جديدة، وصلت إلى تحريض الزوجة على ترك المنزل، لم يكتفون بهذا الأمر بل أخذوا منه ابنه عنوة من بين يديه ليظل معهم في منزلهم، ورغم محاولاته الحثيثة لإعادة زوجته ودخول وسطاء من أهل المنطقة لحل المشكلة أو حتى تمكينه من الجلوس مع ابنه إلا أن كلها باءت بالفشل ليظل لمدة عام ونصف لا يستطيع فقط النظر إلى نجله الوحيد.

لم يكن حديث " أ . م" - والذي رفض أن يذكر اسمه لكن فضل أن يرمز بالحروف الأولى فقط - معنا أمرا يسيرا فقد رفض لمرات عديدة التحدث عن مشكلته لكن بعد إلحاح والتأكيد على ضرورة مناقشة القضية، استجاب في النهاية، حيث يوضح أنه في أخر المطاف اضطر إلى رفع قضية رؤية بعد عام ونصف من الخلافات، كي يتمكن من الجلوس مع ابنه، رغم رفضه لشهور عديدة أن يلجأ لهذا الأمر، نظرا لأنه لم يكن يريد أن يكون المكان الذي يجلس فيه مع الابن "ع" هو مركز شباب ولمنع حدوث أي احتكاك بينه وبين أهل زوجته – والتي ما زالت على ذمته حتى هذه اللحظة - إلا أنه لم يجد مفرا سوى هذا الطريق حتى لا ينسى شكل نجله الوحيد.

" ارتديت ملابسي يوم الجمعة بعد الصلاة، وأنا جسدي يرتعش من أول لقاء بيني وبين ابنى بعد شهور طويلة من ابتعاده عني، بدأت اتخيل أول لقاء بيننا هل تم شحنه من قبل أهل الزوجة ضدى؟ هل سيتذكرنى أم لا بعد كل هذه المدة الطويلة؟ هل ستسمح أسرة زوجتى لابني أن يحضنى ويجلس بجانبي أم سيمنعونه؟"، كلها هواجس شغلت ذهن " أ . م "، قبل أول يوم رؤية، وبالفعل ما تخيله أصبح واقعا، ففي أول لقاء وجد ابنه لا يريد أن يسلم عليه، والأم ووالدها يرفضان أن يجلس الصغير معه، لم يتحمل هذا الأمر ليجد عيناه تزرف دموعا من هول المنظر توقع أن يحدث له، حاول احتواء الموقف دون فائدة ليعود إلى منزله نادما على قرار الزواج، وأصبح لسان حاله " ابنى الذي كنت احتضنه يوميا قبل النوم لم استطع على مصافحته".

مسلسل " أب ولكن" يدق ناقوس الخطر

جاء مسلسل "أب ولكن"، والذي يؤدى بطولته الفنان محمد فراج، ليمثل جرس إنذار لمشكلة كبيرة تضرب المجتمع المصري، بل وتمثل قنبلة موقوتة، وهو "الرؤية" في قانون الأحوال الشخصية، التي لا تعصف فقط بحقوق الآب تجاه أبنائه بل أيضا تدمر نفسية الأبناء أنفسهم، ملايين الأطفال الذين لا يتمكنون من رؤية آبائهم في مكان آمن يستطيع فيه أن يشعر بأن له والد يتابعه ويعتنى به ويصطحبه لمنزله ويحتضنه ويتحدث معه، يرى في المدرسة زملائه مع آبائهم بينما هو لا يستطيع أن يرى والده إلا في مكان محدد وفي يوم محدد وبعدد ساعات محددة، بل وفي كثير من الأحيان وفي ظل عند الأم وأهلها قد يجد نفسه لشهور عديدة لا يستطيع النظر فقط لوالده.

المسلسل الذي يعرض في شهر رمضان المبارك، ناقش ملف شائك لأول مرة، بعد سنوات من صراخ الآباء من هذا القانون الذي اعتبروه ظالما للأب ويعتبره عدو لأبنائه، حيث يبرز العمل الفني الآثار النفسية السيئة على الأبناء الذين يضطرون لرؤية آبائهم عبر مراكز شباب مرة واحدة أسبوعيا، ومحرومون من أهل الأب ولا يستطيعون الحديث معهم أو لقائهم، بل ويستخدمون ورقة ضغط من قبل الأم لمعاقبة الأب واستفزازه دون النظر على الآثار السلبية لهذا الأمر على الأطفال أنفسهم.

قصة " أ . م "، والذي لا زال حتى الآن لا يستطيع رؤية ابنه دون استفزاز من الزوجة وأهلها في مركز الشباب الذي خصص للرؤية، هي مشكلة ملايين الآباء في مصر، خاصة مع الارتفاع المطرد لمعدلات الطلاق خاصة خلال السنوات الأخيرة، والمشكلات التي بدأت تطرأ على المجتمع من منع الآباء من رؤية أبنائهم، ولا يوجد إحصائية واضحة حول عدد المتضررين من حق الرؤية، لاسيما أن هناك عدد كبير من الرجال يرفضون أن يلتقون بأطفالهم من خلال تلك الطريقة التي يعتبرها الكثيرين مهينة لهم ولأبنائهم، بينما يحذر أستاذة علم نفس واجتماع من خطورة إخراج أجيال مشوهة نفسيا ولديها شخصية مضطربة مما يؤثر على تحصيلهم الدراسي بل والعملي عند الكبر، وهو ما سنقرأه خلال السطور المقبلة.

أرقام رسمية عن حالات الطلاق

بحسب ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال تقريره في نوفمبر الماضي، أكد ارتفاع في حالات الطلاق بمصر عام 2024 لتصل إلى 273892  حالة بزيادة 3.1% عن 2023 والتي بلغت 265606، حيث سجل الحضر 57.8% منها، وكانت أعلى نسب طلاق للفئة العمرية 35-40 سنة للرجال و25-30 سنة للسيدات، مع تزايد أحكام الخلع والطلاق النهائي التي تؤثر سلبيا على استقرار الأطفال النفسي.

بحسب الأرقام الواردة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن محافظة القاهرة جاءت في المقدمة بـ50 ألف حالة، تليها الجيزة  بـ27 ألف، ثم الإسكندرية بـ25 ألف، كما بلغ عدد إشهادات الطلاق على يد مأذون 259,697 إشهادا، بزيادة 1.9%، كما بلغت أحكام الطلاق النهائية 14,195 حكما، منها 10 آلاف حالة خلع، وتشكل نسبة 5.2% من إجمالي الحالات.

أرقام الجهاز الرسمية، كشفت أن تزايد حالات الطلاق بدأ منذ عام 2014 حيث وصلت إلى 180 ألف حالة، بينما كانت 222 ألف حالة في 2020، ووصلت إلى 254 ألف حالة في عام 2021 فيما شهد عام 2022 زيادة عن عام 2023، ووصلت فيه الحلات إلى 269 ألف حالة بزيادة حوالى 3500 حالة عن العام الذي يليه، كل هذه الأرقام تكشف زيادة كبيرة في تفكك الأسرة المصرية تتطلب وقفة جادة لحماية الأطفال من أي صراع ينشب بعد انهيار العلاقة الزوجية.

مخاطر الرؤية على الطفل

بين جدران الأندية الاجتماعية، وعلى مقاعد الانتظار الباردة، تختزل ثلاث ساعات أسبوعية علاقة كاملة بين أب وأبنائه، ثلاث ساعات فقط يُفترض أن تعوض أيام الغياب، وأن تحتوي شوقا متراكما، ودموعا مكتومة، وأسئلة لا تجد وقتا كافيا للإجابة، في ظل تطبيق بعض بنود قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالرؤية، يتحول اللقاء إلى موعد محسوب بالدقائق، يخضع لإجراءات رسمية، ويجري تحت أعين الآخرين، فيفقد عفويته ودفئه، ويصبح أشبه بزيارة عابرة لا تشبه معنى الأبوة ولا احتياج الطفل الطبيعي لوجود أبيه في تفاصيل حياته اليومية.

توزيع الطلاق جغرافيا
توزيع الطلاق جغرافيا

تنص المادة التاسعة من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، أن للطفل الحق في أن يعيش في كنف والديه ما لم يعتبر ذلك منافيا للمصلحة العليا للطفل، وللطفل الحق كذلك في استمرار اتصاله بوالديه إذا افترق أحدهما أو كلاهما".

في الواقع العملي هذا لا يحدث مطلقا في مصر بسبب الرؤية، بل إن الحديث عن أضرار هذا النظام ليس صراعا بين أب وأم، بل صرخة من أجل حق الطفل في علاقة إنسانية متوازنة مع كلا والديه، فحين يختزل حضور الأب في ثلاث ساعات أسبوعية، فإن المتضرر الأول ليس الأب وحده، بل طفل يكبر وهو يحمل داخله فراغا لا يراه أحد، لكنه يؤثر في كل ما سيكونه لاحقا.

ارتفاع حالات الطلاق في مصر
ارتفاع حالات الطلاق في مصر

مأساة الأطفال بعد الانفصال

هنا توضح الدكتورة سوسن فايد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن قانون الرؤية الحالي للأبناء بعد الانفصال يضع الأطفال في مأزق نفسي كبير، ويجعل حياة الأبناء مضطربة ومليئة بالاضطرابات العاطفية والاجتماعية، مشيرة إلى أن تحديد رؤية الأب لأبنائه بثلاث ساعات أسبوعيا في مكان عام مثل نادي اجتماعي يمثل مشكلة كبيرة، لا تكفي لتلبية احتياجات الطفل العاطفية، وتضع الرجل أمام تجربة مهينة ومجهدة، وكذلك الطفل نفسه.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الآلية الحالية للانفصال بين الزوجين تؤثر بشكل مباشر على شخصية الطفل وسلوكه، فالقانون يضع شروطا صارمة على الأب لرؤية أبنائه، بينما أحيانا تتخذ الأم إجراءات لإعاقة ذلك، ما يؤدي إلى شعور الأب بالإحباط، والطفل بعدم الأمان، وفي كثير من الحالات، تكون الأم لديها رغبة في الانتقام من الأب، ما يضاعف أثر الرؤية المحدودة على نفسية الأطفال.

عدد عقود الزواج والطلاق من 2020 حتى 2024
عدد عقود الزواج والطلاق من 2020 حتى 2024

الأبناء هم الحلقة الأضعف في معادلة الانفصال، فبين خلافات الكبار ونصوص القوانين، يقف الطفل حائرا، يتأرجح بين شوقه لوالده وواقعه الذي يفرض عليه رؤيته مرة واحدة أسبوعيا، لثلاث ساعات فقط، وأحيانا تسلب منه حتى هذه الساعات لأسباب إجرائية أو خلافات متجددة، هذا الانقطاع القسري لا يمر مرور الكرام على نفسية الصغير، حيث تتراكم داخله مشاعر الفقد والارتباك، ويتسلل إليه إحساس خفي بأن علاقته بوالده مؤقتة أو مشروطة، ما قد ينعكس على ثقته بنفسه، وإحساسه بالأمان، وصورته عن الأسرة والعلاقات في المستقبل.

ومع تكرار هذا النمط من اللقاءات المحدودة، يتحول الأب في وعي بعض الأطفال إلى "ضيف أسبوعي"، لا شريك يومي في التربية والاحتواء والدعم، وتغيب عنهم لحظات بسيطة لكنها جوهرية، مذاكرة درس، مشاركة وجبة، حديث عابر قبل النوم، أو حضن مفاجئ في لحظة ضعف، تفاصيل صغيرة تصنع ذاكرة الطفولة، لكنها تضيع بين نصوص جامدة لا تضع دائما مصلحة الطفل النفسية في المقام الأول.

وتؤكد الدكتورة سوسن فايد أن الأب يمثل قدوة أساسية للطفل، وغيابه أو حضوره المحدود للغاية يؤثر سلبا على نمو الطفل العاطفي والاجتماعي، مشيرة إلى أن الأبناء الذين يُجبرون على رؤية آبائهم في مراكز عامة يشهدون نزاعات ومشادات بين الأهل، ويصبحون شهودا على خلافات قد تصل إلى الشتائم والإهانات، مما يولد لديهم شعورا دائما بالخوف وعدم الأمان.

"الطفل يسمع من كل طرف تناقضات عن الآخر، ويتعرض لتشويه صورة الأب أو الأم أمامه، ما يجعل شخصية الطفل مضطربة، ويضعف ثقته في نفسه وفي الآخرين، وقد يؤدي إلى صعوبات في العلاقات المستقبلية"، هكذا تؤكد أستاذة علم الاجتماع، موضحة أن حل هذه الأزمة لا يمكن أن يكون قانونيا فقط، بل يحتاج إلى تثقيف الآباء والأمهات حول التعامل الصحيح مع الأطفال بعد الانفصال، وتعزيز الثقافة الدينية والاجتماعية التي تركز على حقوق الطفل النفسية والعاطفية، لأن ما يفعله الأهل يؤثر على حياة الأطفال في الدنيا وله أثر في الآخرة أيضا.

وتضيف أنه يجب أن يتيح القانون للأب رؤية أبنائه في بيئة آمنة ومنزلية، حيث يمكن للأطفال الجلوس مع والدهم وعائلته، والتواصل مع الجد والجدة والأعمام والعمات، ما يضمن لهم حياة مستقرة بعد الانفصال، أما الرؤية المحدودة في أماكن عامة، فهي تجعل الطفل مضطربا نفسيا وعاطفيا، ويشعر أنه غير آمن وغير مستقر.

كما تشير إلى أن سن الحضانة الحالي، الذي يصل في بعض الحالات إلى 15 عاما للأبناء والبنات حتى الزواج، ليس مناسبا، وتخفيض سن الحضانة إلى 13 عاما يمنح الأطفال فرصة للتمييز واتخاذ قرار واعٍ حول من يودون العيش معه بعد بلوغ سن التمييز، متابعة :" "الاستضافة في منزل الأب ليست رفاهية، بل حق أساسي يتيح للطفل المشاركة في الحياة الأسرية الكاملة، ويضمن له تربية متوازنة، واطلاعًا على أسلوب حياة الأب ومتابعة تربيتهم، وهو أمر غائب تماما في نظام الرؤية الحالي".

المحافظات تشهد أعلى وأقل حالات طلاق
المحافظات تشهد أعلى وأقل حالات طلاق

وتقول سوسن فايد، إن هناك ضرورة لوضع ملائمات تشريعية واضحة، وعقوبات رادعة للأمهات اللواتي يعيقن رؤية الأب لأبنائه، فالقانون يجب أن يحمي حقوق الطفل في علاقة صحية مع كلا الوالدين، ويضمن استقرار حياته النفسية والاجتماعية، والرؤية المحدودة في أماكن غير ملائمة، والغرامات أو العقوبات غير الفعالة، كلها عوامل تزيد من مأساة الأبناء بعد الطلاق وتجعلهم عرضة للاضطرابات النفسية والسلوكية، مضيفة أن الأطفال بحاجة إلى رؤية كافية لآبائهم، في بيئة آمنة، بعيدًا عن النزاعات، ليكتسبوا القدوة الإيجابية ويطوروا شخصياتهم بثقة واستقرار، وتعديل التشريع وتحسين آليات الرؤية يجب أن يكون أولوية وطنية لحماية الأجيال القادمة وضمان مستقبل نفسي واجتماعي صحي لهم.

حادثة تدمر حياة سعودى جارحى وتعنت الأم يمنعه من رؤية أبنائه

لم يكن الحادث المروري الذي تعرض له سعودى جارحى، البالغ من العمر 48 عاما، سوى لحظة خاطفة في الزمن، غير أنها كانت كفيلة بأن تقلب مسار حياته رأسا على عقب، وتفتح أبوابا واسعة من المعاناة الإنسانية التي ما زالت فصولها مفتوحة حتى اليوم، فبين ألم الإعاقة الجسدية، ووجع الفقد الأسري، ومرارة الحرمان من الأبناء، يعيش هذا الأب قصة قاسية تتجاوز حدود الجسد المصاب، لتلامس أعماق النفس وكرامة الإنسان.

يقول المواطن سعودى، وهو أب لطفلين يبلغان من العمر أحد عشر وعشرة أعوام، في تصريح لـ"اليوم السابع"، إن الحادث وقع أثناء ذهابه إلى عمله، وأسفر عن بتر قدمه اليمني وإصابته بكسر مفتوح ومضاعف في الساق اليسرى، استدعى تركيب جهاز "إليزاروف"، وخضوعه لأربع عمليات جراحية، مع حاجة ملحة لإجراء عملية خامسة لم يعد قادرا على تحمل تكلفتها، موضحا أن الحادث لم يتركه عاجزا جسديا فحسب، بل منعه من العمل نهائيا، ليجد نفسه أسيرا للمنزل، معتمدا على مساعدة الآخرين في أدق تفاصيل حياته اليومية.

سعودي جارحي مبتور قدمه اليسرى
سعودي جارحي مبتور قدمه اليسرى

وبمرارة شديدة، يروي أن هذه المحنة الصحية تزامنت مع انهيار حياته الأسرية، إذ فوجئ بعد ثلاثة عشر عاما من الزواج، برفع زوجته قضية خلع ضده عقب الحادث مباشرة، ورغم إعاقته وفقدانه لمصدر دخله، يشدد على أنه لم يتخل يوما عن مسؤولياته تجاه أبنائه، قائلا: "التزمت بسداد النفقة كاملة، وأدفعها رغم ظروفي الصحية القاسية، والله وحده يعلم كيف أوفرها، فأنا أضحي بعلاجي وأبسط احتياجاتي من أجل أولادي".

دخل محدود ومعاناة مستمرة

ويضيف أن دخله المحدود الذي يأتيه أحيانا من مساعدات الأصدقاء وأهل الخير، يذهب معظمه لسداد النفقة وفواتير المعيشة، في وقت يعجز فيه عن توفير تكاليف علاجه الضرورية، غير أن الألم الأكبر - كما يصفه - لا يتمثل في الفقر ولا في المرض، بل في حرمانه من رؤية أطفاله، رغم صدور أحكام قضائية تتيح له حق الرؤية، موضحا أنه يلتزم بالحضور أسبوعيا في مواعيد الرؤية، ويتكبد عناء التنقل رغم آلامه الشديدة، إلا أن الطرف الآخر لا يلتزم بتنفيذ الأحكام، ليجد نفسه يعود خالي الوفاض، مثقلا بخيبة جديدة.

ويتابع: "أنا لا أطلب سوى أن أرى أبنائي، أن يطمئنوا علي، أن يناولوني كوب ماء، هل أصبح العجز ذنبا يعاقب عليه الأب؟"، مؤكدا أن أبناءه تأثروا نفسيا بشدة، بعد أن شهدوا حادثه، وأن مستواهم التعليمي تراجع بشكل لافت، كما أنه حاول متابعة أوضاعهم الدراسية، لكنه قوبل بالرفض حتى داخل المدرسة.

محاولات ودية لحل الخلافات

كما يكشف عن محاولاته المتكررة لحل الخلافات وديا بعيدا عن أروقة المحاكم، حرصا على مصلحة الأطفال، إلا أن جميع تلك المبادرات قوبلت بالرفض، مضيفا أن لجوئه لوسائل التواصل الاجتماعي لم يكن بحثا عن شهرة، بل صرخة استغاثة اضطر إليها بعدما أغلقت في وجهه كل السبل.

ويعيش الأب اليوم في عزلة قاسية يعتمد فيها على مساعدة الجيران والأصدقاء الذين يمدونه بالطعام والدواء كلما اشتد به العجز، بينما يقضي معظم وقته وحيدًا، ينتظر يوم الجمعة على أمل أن يرى أبناءه، مؤكدا أنه لا يطلب إسقاط النفقة ولا التهرب من مسؤولياته، بل فقط حقه الإنساني والأبوي في التواصل مع أطفاله.

ويوجه سعودي جارحي، نداء إنسانيا صادقا، مطالبا بالتدخل العاجل لإنصافه، وحماية الأطفال من تبعات هذا الصراع، حيث يقول بحرقة: "أنا راض بقضاء الله، ولم أعترض يوما على ما كتب لي، لكنني أطلب عدلا يحميني كأب، ويضمن لأبنائي حقهم في رؤية والدهم، ذنبي الوحيد أنني تعرضت لحادث، فهل يعاقب الإنسان على ما لم يختره؟".

واقعة سعودي جارحى تكشف إلى حد كبير كيف أصبح "حق الرؤية" كابوسا، وقيام بعض الأمهات قانون بعقاب الأب دون ذنب لمجرد الانفصال، حتى لو كانت حالته الصحية يرثى لها، إلا أنها تتعمد حرمانه من أبنائه، وتستغل بعض الثغرات في القانون لمنع الأطفال من لقاء والدهم.

جولة داخل محكمة أسرة

أجرينا جولة داخل بعض محاكم الأسرة في الجيزة، لنجد مشاهد يرثى لها، طوابير من المحامين والآباء والأمهات ينتظرون أمام قاعة صغيرة يكاد يختنق من فيها من كثرة الدعاوى القضائية، كشوفات معلقة على حوائط المحكمة من الداخل تتضمن رقم الدعاوى واسم المدعي والمدعي عليه، أغلب القضايا كانت إما خلعا أو رؤية، أمهات أحضرن أبنائهن للمحكمة خلال نظر الدعوى، ينادي الحاجب على رقم الرول، فيدخل المدعي والمحامي وأحيانا المحامي بمفرده وأحيانا المدعي بمفرده لقاعة المحكمة الصغيرة لمدة دقيقتين إلى خمسة دقائق على الأكثر، مقاعد الجلوس لا تكفى عدد الحاضرين فيضطر البعض للوقوف لمدة ساعتين حتى يأتي دوره للدخول.

توزيع حالات الطلاق بين الحضر والريف
توزيع حالات الطلاق بين الحضر والريف

لم يُسمح لنا بتصوير المشهد، ولكن تحدثنا إلى بعض المحامين الذين يتولون قضايا أسرة، من بينها قضية الرؤية، حيث يؤكدون أن هذا الملف يعد من أصعب القضايا لأنه في كثير من الأحيان لا تنفذ الأم الرؤية، ليضطر الأب إلى رفع قضية ضدها وقد يحكم القاضي بتعويض فتستأنف الأم عليه، وتعود من جديد في عدم تنفيذ الرؤية، وفي بعض الأحيان يحصل الرجل على تعويض من طليقته ولكن لا يستطيع تنفيذه، ويظل لشهور عديدة يبحث عن لقاء أبنائه دون جدوى، وهو ما يتطلب إعادة النظر في هذا الأمر.

ويشيرون إلى أن بعض الأمهات يشحن أطفالهن ضد الأب، بل وتحذرهن من أن يبتسم الابن لوالده وأنها ستعاقبه بعد العودة للمنزل، وهنا يجد الطفل نفسه غير قادر على أن يأخذ راحته مع والده كما كان قبل انفصال الزوج والزوجة، مما يجعله ضحية لمحاولات الأم عقاب طليقها بطرق غير شرعية، خاصة أنه لا يوجد مواجهة حاسمة ضد السيدات اللاتي يشحن أبنائهن ضد آبائهم، أو اللاتي يرفض جلوس أبنائهن بجانب الأب.

مشاجرات وجرائم داخل مراكز الرؤية

بعض الآباء المنفصلين أرسلوا لنا فيديوهات من داخل مراكز الرؤية، لأمهات تعمدن إخفاء وجه أبنائهن خلال تنفيذ حق الرؤية للأب، ووصلت بعض المشاهد إلى سماع أحد الآباء من ابنه أنه لا يعتبره أبوه وعندما سأله لماذا قال له إن جده لأمه قال له ذلك، لم نستطع نشر تلك الفيديوهات نظرا لطلب أصحابها ذلك، وخلال الشهور الماضية انتشر فيديو كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي لأم تقوم بسب طليقها بألفاظ نابية لمجرد أنه حاول أن يحتضن ابنه، بينما حاول الموظفين في مركز الشباب احتواء الموقف دون فائدة.

الفيديو الأصعب كان لأب ذهب لرؤية ابنه في إحدى مراكز الشباب، ويبدو أن المركز يتواجد في إحدى قرى الريف المصرى، حاولت طليقته التشاجر معه إلا أن أحد موظفي المركز طلب منها الخروج وعدم السباب أو التعدي على الأب داخل المركز، لتنتظره في الخارج، وبالفعل فور خروجه وجد أم ابنه وشقيقتها وأمها يلقون عليه الطوب، ليتدخل بعض أهالي القرية ويفضون الشجار، أيضا لم نتمكن من نشر الفيديو نظرا لوجود سباب فيه.

لعل الواقعة الأشهر كانت وفاة الفنان سعيد مختار في ديسمبر الماضي، إثر طعنة نافذة خلال مشاجرة أمام نادي بمدينة أكتوبر، أثناء موعد رؤية لابنه البالغ من العمر تسع 9 سنوات، بعد أن نشبت مشادة مع زوج طليقته بسبب زواجهما عرفيا، تطورت لاشتباك أدى لوفاة الفنان متأثرا بإصابته، وتم القبض على الطرف الآخر وما زالت القضية مطروحة للتحقيق القضائي حتى الآن.

حالات الطلاق في مصر عبر السنوات الماضية
حالات الطلاق في مصر عبر السنوات الماضية

وفي نهاية فبراير الماضي، انتشر فيديو على نطاق واسع لخلاف بين مهندس وطليقته، أثناء تنفيذه حق الرؤية لطفله الصغير، بحديقة في دمنهور بمحافظة البحيرة، نتيجة خلافات متعلقة بالرؤية، تدخل إثرها شقيق السيدة، للتشاجر مع المهندس، وامتد الأمر لتصوير الواقعة، ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهر الأب وهو مغرق في دمائه وأمامه طفله ينظر إليه بخوف ودهشة، مما دفع أجهزة وزارة الداخلية، للتوصل مع الطرفين، وأكدوا أن الخلافات الأسرية هي الدافع وراء هذا الصدام، وفي مفاجأة غير متوقعة، أبدى الطرفان رغبتهما في التصالح والتنازل عن المحاضر المتبادلة فيما بينهما لإنهاء الأزمة وديا.

جانب من الواقعة
جانب من الواقعة

وحتى لا يظن البعض أننا نتحيز للرجل ضد المرأة، فهناك واقعة شهدتها محافظة الإسماعيلية في شهر يوليو الماضي، عندما اعتدى رجل على طليقته خلال تنفيذ رؤية لطفله بأحد الأندية، حيث تعدى الأب على أم الطفل البالغ من العمر 11 عاما، بالضرب وأحدث إصابات بسحجات وكدمات، وفي فبراير 2025 أيضا تعدى زوج على طليقته بالضرب أثناء تنفيذ حكم رؤية أطفاله داخل مركز شباب قرية صنافير، التابع لمركز شرطة قليوب بالقليوبية، قبلها بشهور انتشر فيديو تعرض أب للاعتداء من قبل أهل طليقته عليه أمام إحدى النوادي خلال تنفيذ حكم رؤية، مما تسبب في جروح نافذة له .

لا يوجد أرقام محددة لحجم الجرائم التي تحدث خلال عملية تنفيذ الرؤية، إلا أنه أصبح واضح للعيان أن عدد تلك الجرائم في تزايد مستمر، خاصة في ظل الاستفزازات التي تحدث بين الطرفين والتي تتطور أحيانا للسباب وقد تصل للتعدي المتبادل، كل هذا يراه الطفل أمام عينيه مما يشكل خطورة كبيرة على نفسيته وكذلك شخصيته، وهو ما يتطلب ضرورة إعادة النظر في "حق الرؤية" الأب لأطفاله.

إشكاليات تواجه حق رؤية الأب لأطفاله بعد الانفصال
إشكاليات تواجه حق رؤية الأب لأطفاله بعد الانفصال

الحضانة الأبدية وتأثيراتها على الأطفال والأسر

في هذا السياق يؤكد الدكتور أشرف تمام، رئيس مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء سابقا، أن قانون الرؤية في مصر يعاني من أزمات هيكلية ومعوقات جوهرية أثرت على حقوق الأبناء والأمهات والآباء على حد سواء، مشيرا إلى أن جوهر المشكلة يكمن في ارتفاع سن الحضانة وإقرار التخيير للأطفال بعد سن معينة، وما نتج عنه من تكريس الحضانة الأبدية للأم، مما أضعف دور الأب في حياة أطفاله.

ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن العديد من الآباء يفضلون عدم رفع دعاوى الرؤية خشية تعرضهم للإهانة أو التجريح النفسي أمام القضاء والأطفال، قائلا: "البعض الآخر يرفع قضية الرؤية ويتحمل ما يحدث له من تنكيل، مقابل أن يرى أولاده لعدد محدود من الساعات، وغالبا ما يخرج الأطفال مشحونين نفسيا، ويرفضون أحيانا البقاء مع الأب، وهو ما يجعل القضية بأكملها مصدر قلق نفسي للأسرة بأكملها."

التعامل مع الأب داخل مراكز الرؤية يتحول أحيانا إلى مواجهة نفسية للأطفال، حيث يُطلب منهم التعبير عن كرههم أو رفضهم لأبيهم، أو إعادة سرد خلافات حدثت بين الوالدين، وهذا السلوك يعكس بشكل مباشر استخدام الأطفال كأداة ضغط ضمن الصراع الزوجي، ويجعلهم ضحايا الخلافات وليس مشاركين فيها، وهذه الممارسات تُحدث اضطرابات سلوكية ومزاجية لدى الطفل، مثل الانطواء، العصبية المفرطة، صعوبة التركيز في المدرسة، وحتى مشاكل في بناء علاقات اجتماعية لاحقة، كما أن الأبناء الذين يتعرضون لتحريض مباشر ضد الأب غالبا ما يفقدون الإحساس بالأمان العاطفي، ويبدئون في تبني مشاعر عدائية أو كراهية غير مبررة، وهو ما ينعكس على شخصيتهم مستقبلا.

ويشير أشرف تمام إلى أن الساعات المحددة قانونا للرؤية، والتي غالبا ما تكون ثلاث ساعات في الأسبوع، لا تعكس الواقع الفعلي لتربية الأطفال، إذ أن التزام الأم بهذه الساعات قليل للغاية في كثير من الحالات، مضيفا:  "إذا حسبنا التزام الأم بجميع مرات الرؤية، فإن نصيب الأب في 15 عاما حضانة يبلغ حوالي ثلاثة أشهر فقط، وهذا أمر بعيد عن العقل والمنطق، ويؤثر على نمو الطفل النفسي والاجتماعي."

ويوضح أن المشكلة الحقيقية ليست في مفهوم الرؤية نفسه، بل في الهيمنة المطلقة للأم على الحضانة بعد الطلاق، حيث يؤدي رفع سن الحضانة للأطفال إلى حرمان الأب تقريبًا من المشاركة في حياة أبنائه اليومية، متابعا: "الطفل عندما يُمنح الحق في الاختيار بين البقاء مع الأم أو الأب بعد سن التخيير، غالبا ما يختار الأم، لأنه اعتاد وجودها طوال الوقت، وهذا ما أسس لمبدأ الحضانة الأبدية للأم، وكأن الأب غائب تماما عن حياة أطفاله."

ويحذر من أن تلك الممارسات القانونية والاجتماعية تؤثر على تربية الأطفال، وتؤدي إلى نشوء جيل يعاني من مشكلات اجتماعية وسلوكية، إذ أن الأبناء في كثير من الأحيان يصبحون بعيدين عن عائلة الأب، وربما يجهلون علاقاتهم الأسرية، خاصة في حال أعاد الأب أو الأم الزواج وإنجاب أطفال آخرين، مما قد يؤدي إلى مفارقات اجتماعية مثل عدم معرفة الإخوة ببعضهم البعض.

ويؤكد أن القانون الحالي ساهم بشكل غير مباشر في زيادة حالات الطلاق، حيث ارتفع عدد حالات الطلاق في مصر من حوالي 65 ألف حالة عام 2005، إلى نحو 141 ألف حالة عام 2009، أي أكثر من الضعف خلال أربع سنوات فقط، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو ما يعكس أثر رفع سن الحضانة وإقرار التخيير على الاستقرار الأسري، مشيرا إلى أن إصلاح قانون الأحوال الشخصية يتطلب تعديلات شاملة تشمل الرؤية والحضانة والنفقات والولاية التعليمية، وتوفير آليات لضمان التربية المشتركة للأطفال وحماية حقوقهم.

تأثير رفع سن الحضانة على معدلات الطلاق
تأثير رفع سن الحضانة على معدلات الطلاق

ومن بين أبرز المقترحات التي يعرضها أشرف تمام تثبيت سن الحضانة عند 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، مع إلغاء التخيير، لضمان مشاركة الأب والأم معا في تربية الطفل خلال فترة الطفولة المبكرة، وهو السن الذي كان معمولا به تاريخيا في مصر ويضمن حقوق كلا الطرفين، كما يُمنح الأب الحضانة مباشرة بعد انتهاء سن الحضانة للأم أو زواجها أو وفاتها، لضمان استمرارية رعاية الطفل وعدم حرمانه من الأب أو الأم بعد مرحلة الطفولة المبكرة، وتنظيم يوم أو يومين أسبوعيا بالإضافة لأسبوع خلال إجازة نصف العام وشهر في نهاية العام، مع تقسيم الأعياد الدينية بين الطرفين، لضمان حق الأب أو الأم غير الحاضنة في العلاقة اليومية مع الطفل.

كما يقترح منح الأب الحق في اختيار المدرسة ونوع التعليم بما يتوافق مع قدراته المالية وظروفه، بما يعكس نصوص الشريعة الإسلامية التي تجعل الأب وليًا طبيعيًا على الطفل، وضم جميع النفقات والأجور في قضية واحدة، وألا تتجاوز ثلث دخل الزوج، لمنع استغلال القضايا المتعددة كوسيلة للتنكيل المالي، حيث لوحظ رفع بعض المطلقات عشرات القضايا بهدف تحصيل مبالغ بسيطة، ما يرهق الزوج ماديا، وعدم استحقاق النفقة إذا غادرت الزوجية دون إذن الزوج، بما يتوافق مع أحكام الشريعة ويحد من استغلال النفقة بشكل غير قانوني.

ويشير إلى ضرورة مراعاة الطرف الذي انتهى الزواج بقراراته، بحيث يتحمل كل طرف جزءا من التبعات المالية وفق قدرته واستقلاله المالي، وهو أمر عادل يحمي حقوق الأبناء، وكذلك تطبيق عقوبات بالمثل على الأب أو الأم في حال الامتناع عن تنفيذ واجباتهم تجاه الطفل، لضمان حماية الحقوق المادية والمعنوية للطفل، لافتا إلى أن إصلاح قانون الأحوال الشخصية بشكل عادل ومنصف يضمن للأطفال حقوقهم في الرعاية المشتركة من الأب والأم وعائلتيهما، ويقلل من معدلات الطلاق، ويساهم في استقرار الأسر المصرية وحماية الأجيال القادمة، وهو ما يجعل تعديل القانون ضرورة قصوى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية الأبناء من الانعزال عن أي من والديهم، وهو السبيل الأمثل لضمان تربية سوية وتكوين جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واستقرار.

حاولنا التواصل مع المجلس القومي للمرأة، وبالتحديد مع الدكتورة نسرين البغدادي، نائب رئيس المجلس القومي للمرأة، للتعليق على الموضوع، إلا أنها لم ترد على أسئلتنا، ذاكرة أن سبب ذلك هو ضيق الوقت، كذلك سعينا للتواصل مع بعض أعضاء المجلس القومي للمرأة إلا أنه لم يرد علينا أحد، كما حاولنا التواصل مع الدكتور سحر السنباطي رئيس المجلس القومي للأمومة والطفولة، وإيمان محمد علي مسئولة رصد مشاكل السوشيال ميديا في خط نجدة الطفل التابع للمجلس القومي للطفولة والأمومة، ولكن لم يرد على أسئلتنا بشأن مدى تأثير حق الرؤية على الأطفال.

ترسيخ صورة سلبية عن الأب

وفي مشهد يكشف حجم المأساة الإنسانية التي قد يعيشها الأطفال ضحايا النزاعات الأسرية، برزت واقعة مؤلمة لفيديو أطلعنا عليه، بُظهر سيدة وهي تتحدث إلى طفلها الصغير "يوسف"، في محاولة ترسيخ صورة سلبية عن والده في وعيه الغض، وسط تساؤلات حادة ونبرة تحمل الكثير من الشحن العاطفي.

الطفل، الذي لم يتجاوز سنواته العشر الأولى، بدا مرتبكا أمام سيل الأسئلة التي وُجهت إليه عن والده ، حيث سألته والدته: "تعرف أبوك يا يوسف؟"، ليأتي الرد مقتضبا "لا"، ولم يتوقف الحوار عند هذا الحد، بل واصلت الأم طرح أسئلة متتابعة  "بابا جاب لك حاجة حلوة قبل كده؟.. بابا جاب لك أي حاجة قبل كده؟ إداك أي حاجة قبل كده يا يوسف؟"، فيما خيم الصمت على الطفل تارة، وجاءت إجاباته بالنفي تارة أخرى.

المشهد ازداد قسوة حين سألته "تعرفه لو وريتك صورته؟ تعرفه؟"، ليجيب مجددا "لا"، وحين حاولت دفعه للتعبير عما يريد قوله لوالده، قال بصوت منخفض يكاد لا يُسمع: "أنا مش هقوله حاجة"، ومع إلحاحها المتكرر "هتقوله إيه؟"، تردد الطفل قبل أن يقول "أنا مش عايز شوفه".

لم تكتف الأم بإجابات صغيرها، بل علقت بصوت يحمل مرارة وغضبا: "مش عايز يعرفه، شفت العيل؟ شفت العيل يا مسلم؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك"، في رسالة مباشرة تُحمل الأب مسؤولية القطيعة العاطفية، أمام طفل لا يملك القدرة على فهم أبعاد الصراع الدائر بين والديه.

حق الرؤية في الإسلام بعد الانفصال

في الدين الإسلامي، حق الرؤية بين الأب وأبنائه بعد الانفصال حق ثابت لا ينكره الشرع، ويعتبر جزءًا من مصلحة الطفل الأساسية التي حث عليها الدين الحنيف، والأب له الحق الكامل في متابعة أطفاله ورؤيتهم بشكل منتظم، حتى ولو كان قد ارتكب أخطاء في حياته، حيث لا يجوز حرمان الطفل من العلاقة مع أبيه، ولا استخدامه كأداة ضغط أو وسيلة للانتقام بين الأبوين، كما أن الشريعة ترى أن الأسرة وحدة مترابطة، والطفل يحتاج إلى حضن الأب والأم على حد سواء، وأي تقييد لعلاقة الرجل بأطفاله إلا لمصلحة الطفل مباشرة يعد ظلما.

وتؤكد الدكتورة جيهان ياسين، الواعظة بوزارة الأوقاف، أن الشريعة الإسلامية توضح أن الطلاق يُنهي العلاقة الزوجية ولا يُنهي علاقة الأبوة أو الأمومة، لأن رابطة النسب ثابتة لا تنقطع، ولهذا قرر الفقه الإسلامي أن للطفل حقا في والديه، كما أن لكل من الأب والأم حقا في ولده، ولا يجوز تحويل الأبناء إلى أداة صراع بعد الانفصال، وجاء التأصيل القرآني واضحًا في قوله تعالى "لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ"، وهي آية جعلها الفقهاء أصلا في منع الإضرار بأي من الوالدين بسبب الطفل، ومن صور الإضرار المحرمة تعمد منع الأب من رؤية أبنائه دون سبب معتبر.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه في السنة النبوية، أقر النبي صلى الله عليه وسلم حق الأم في حضانة الصغير بقوله "أنتِ أحق به ما لم تنكحي"، فقرر أولوية الحضانة للأم في سن الصغر، لكنه لم يُسقط حق الأب، لأن الحضانة شيء، وبقاء صلة الأب وولايته التربوية والمالية شيء آخر، ولهذا فرق الفقهاء بين الحضانة باعتبارها رعاية يومية، والولاية باعتبارها إشرافا وتوجيها ونفقة، وهي للأب في الأصل.

وتوضح أن العلماء استندوا إلى قواعد كلية حاكمة، منها "لا ضرر ولا ضرار"، وأن مصلحة الطفل مقدمة، والحضانة شُرعت لمصلحة المحضون لا لمعاقبة الطرف الآخر، لذلك نص فقهاء المذاهب على أن الحاضن لا يجوز له قطع الطفل عن والده، وأن التعسف في المنع يُعد إخلالا بالأمانة، وقد يبرر تدخل القضاء لتقييد الحضانة أو نقلها إذا ثبت الضرر.

وتطرق  الدكتورة جيهان ياسين إلى النقطة الأهم وهي الرؤية وعدد ساعاتها، حيث تؤكد أن تحديد مدة للرؤية كعدد ساعات أسبوعيا فليس نصا تعبديا في الشريعة، وإنما هو تنظيم قانوني معاصر يدخل ضمن باب السياسة الشرعية، هدفه ضبط النزاع وضمان الحد الأدنى من التواصل، تحقيقا للمقصد الشرعي في حفظ مصلحة الطفل وصلة الرحم، وتعمد منع الأب من رؤية أبنائه دون مسوغ معتبر يُعد ظلما وإثما لأن الإسلام لا يعرف فكرة أب مقطوع الصلة بأولاده بعد الطلاق، بل يوجب بقاء العلاقة والرعاية والتواصل، ويجعل مصلحة الطفل فوق خلافات الكبار.

وتشير إلى أن الشريعة الإسلامية حين نظمت شؤون الأسرة بعد الطلاق لم تنظر إلى الأمر باعتباره صراع حقوق بين أب وأم، بل باعتباره أمانة طفل يجب أن يبقى في دائرة الرحمة والرعاية من الطرفين، فالولد ليس محل انتقام ولا ورقة ضغط، بل قلب يتأثر وعقل يتشكل ومستقبل يُبنى، وكل تعسف في منع التواصل أو توسيع دائرة الخصومة إنما يقع أثره أولا على نفس الصغير قبل أن يصيب غيره، والعدل الذي أمر الله به يقتضي إبقاء الجسور مفتوحة، والتعامل بروح المسؤولية لا بروح المغالبة، حتى يظل الطفل متصلا بأبويه، آمنا في انتمائه، سليما في توازنه، وهذا هو مقصد الشرع قبل أن يكون نص قانون.

السطور السابقة تمثل دلالات مهمة، خاصة أنها صادرة ليست فقط من واعظة بوزارة الأوقاف، بل من امرأة وأم ترى أن محاولات البعض من استغلال ثغرات قانونية في منع الأب من رؤية أبنائه يشكل خطورة كبيرة على الطفل ذاته، وتوضح مخالفة ذلك للدين الإسلامي الحنيف الذي وضع مصلحة الأطفال أولوية في علاقة الأبوين بهم بعد الانفصال، وهو ما يشير إلى ضرورة الوصول إلى حلول سريعة وموضوعية تتفادى عيوب الرؤية التي أصبحت سلاح لبعض الأمهات لعقاب طليقهن، بينما تظل نفسية الطفل مشوهة بسبب منعه من رؤية والده.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة