في خطوة تحمل أبعادًا تاريخية ودلالات متعددة، جاءت زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني إلى إسطنبول كأول زيارة لبطريرك قبطي إلى القسطنطينية منذ قرون طويلة، لتعيد فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والبطريركية المسكونية، في توقيت يحمل تقاطعات دينية وسياسية مهمة.
الزيارة التي بدأت مطلع الأسبوع الجارى، لم تكن مجرد تحرك بروتوكولي، بل مثلت تحولًا نوعيًا في مسار العلاقات الكنسية، خاصة مع استقبال البابا من قبل البطريرك برثلماوس الأول، في مقر البطريركية المسكونية، في لقاء وُصف بأنه يتجاوز الطابع الرسمي إلى دلالات أعمق تتعلق بتاريخ الكنيسة ووحدتها.
كما يمكن قراءة زيارة البابا تواضروس إلى تركيا باعتبارها حدثًا يتجاوز كونه زيارة رسمية، إلى كونه محطة مفصلية في مسار العلاقات الكنسية، تحمل رسائل متعددة تتراوح بين الروحي والتاريخي والسياسي، وتؤسس لمرحلة جديدة من الحوار والتقارب، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى خطاب يعزز الوحدة والسلام.
وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من المكان ذاته؛ إذ تُعد القسطنطينية أحد أبرز الكراسي الرسولية في التاريخ المسيحي، إلى جانب الإسكندرية وأورشليم وأنطاكية وروما، كما شهدت عبر تاريخها انعقاد أهم المجامع المسكونية التي شكلت ملامح العقيدة المسيحية. ومن ثم، فإن حضور بابا الإسكندرية إلى هذا الكرسي بعد انقطاع طويل يعكس رغبة واضحة في إعادة تفعيل قنوات التواصل بين الكنيستين.
وخلال اللقاء الرسمي، تبادل الطرفان كلمات أكدت على عمق الروابط التاريخية، حيث أشار البطريرك برثلماوس إلى أن هذه الزيارة تمثل "بركة وإشارة رجاء"، معتبرًا أنها ثمرة لمسار طويل من الحوار اللاهوتي، بينما وصف البابا تواضروس الدعوة بأنها "رسالة موقعة بالمحبة"، تعكس امتدادًا لعلاقات متجذرة بين الكنيستين.
ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية، بل شملت مشاركة البابا في القداس البطريركي بكنيسة القديس جاورجيوس بالفنار، في مشهد حمل رمزية كبيرة، حيث تلاقت الصلوات والتقاليد الكنسية في إطار مشترك يعكس تقاربًا عمليًا يتجاوز حدود التصريحات.
كما تضمنت الزيارة سلسلة من اللقاءات مع قيادات كنسية مختلفة، من بينها بطريركية الأرمن الأرثوذكس، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية، إلى جانب لقاءات مع أبناء الكنيسة القبطية في تركيا، وهو ما يعكس توجهًا نحو تعزيز الحضور الرعوي والإنساني، وليس فقط المؤسسي.
وعلى مستوى الخطاب، حملت كلمات البابا تواضروس دعوة واضحة للوحدة والعمل المشترك، حيث أكد أهمية "الصلاة والخدمة والشهادة معًا"، في إشارة إلى ضرورة ترجمة التقارب اللاهوتي إلى واقع عملي ينعكس على حياة المؤمنين. في المقابل، شدد البطريرك برثلماوس على أهمية الانتقال من "الاتفاق إلى اللقاء"، ومن "الحوار إلى الشراكة"، وهو ما يعكس إدراكًا مشتركًا لتحديات المرحلة.
وتتجاوز دلالات الزيارة الإطار الكنسي، لتلامس السياق السياسي، خاصة في ظل تحسن العلاقات بين مصر وتركيا خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يفتح المجال لقراءة الزيارة باعتبارها أحد مظاهر هذا التقارب، ورسالة تعكس قيم التسامح والتعايش الديني في المنطقة.
كما تعكس الزيارة أيضًا توجه الكنيسة القبطية نحو الانفتاح وتعزيز حضورها الدولي، من خلال بناء جسور مع الكنائس الأخرى، في إطار رؤية أوسع تسعى إلى دعم الاستقرار الروحي والإنساني في عالم يشهد تحديات متزايدة، سواء على مستوى النزاعات أو التغيرات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تبدو الزيارة بمثابة إعادة تموضع للكنيسة القبطية في المشهد المسيحي العالمي، من خلال تأكيد دورها التاريخي كأحد أقدم الكراسي الرسولية، وسعيها للمساهمة في جهود الوحدة المسيحية، التي طالما شكلت هدفًا مشتركًا للكنائس المختلفة.
كما أن الحضور المشترك في الصلوات واللقاءات، إلى جانب تبادل الدعوات الرسمية، يعكس رغبة متبادلة في استمرار هذا المسار، خاصة مع دعوة البابا تواضروس للبطريرك برثلماوس لزيارة مصر، وهو ما قد يمثل خطوة جديدة في تعزيز العلاقات بين الكنيستين.