محمد نبيل محمد

حكايات الولاد والأرض 16.. الشهيد عادل عبدالحميد.. نال الشهادة وهو صائم

الإثنين، 20 أبريل 2026 02:42 ص


كنت أدندن وأنا أستمع إلى أغنية "عمرى ما شوفت الحب غير لما حبيتك..." وكأننى طائر أطير فرحًا أو فراشة محلقة فى نشوة الانتظار لقدوم حبيبى، وأنا فى المطبخ أعد لحبيبى ما يشتهيه من الطعام، وينصت سمعى من بعيد عن طلباته من قائمة الإفطار، فهو الصائم الذى اعتاد أن يدخل معى المطبخ وقت إعداد طعام الإفطار ليُملى على شروطه فى قائمة مائدة الإفطار، وأنا أذعن لرغباته التى لا تنتهى سوى عند حد المطالب الشفاهية، وما أن يتم توضيب مائدة الإفطار كما أراد إلا وأراه يحمد ربه بعد أقل القليل من الطعام، وأتعجب كما هو الحال فى كل مرة: لماذا أطيع أوامره فى تنفيذ هذه القائمة الطويلة وليست المُجهدة لى فأنا استمتع برعاية زوجى، وأنعم بتحقيق كل أمانيه، وإن كنت على يقين من إنه سيترك لغيره طعامه، كما يفعل دائمًا، لكنه هذه المرة مع بدايات هلال شعبان كان صائما ولم يكن فى البيت بل فى بيته الذى يفضله – دائمًا- فى سيناء، وعلى الرغم من ذلك أسرعت بإعداد الطعام الذى يحبه ويفضله لأوزعه على من يوصينى بهم فى غيابه، وكأنه موجود تماما، وكنت أتخيل كيف سيكون إفطار حبيبى؟ ما أول لقمة سيتناولها؟ وأول شربة ماء أم عصير ستروى حلقه المًفعم بنداءات "حى على الجهاد فى سيناء" احترت فى اختيار ما سيفطر عليه حبيب القلب ومهجته وآسر العقل ورشده، فأعددت طعاما كثيرًا شهيًا كله من علمى باختياراته المفضلة، وانتويت توزيعه على من يعرفهم ويزورهم سرًا، وفى ستر السر روحت بطعام حبيبى لهم، وأنا عائدة دوت فى قلبى طلقة أطاحت بأركانه وزلزلت حجرات بيته، فبكيت وتساقطت من عيني الدموع ولا أعلم سببًا لها سوى تلك الرعدة القاسمة التى هزت أوصالى فجأة وبدون مقدمات رحت أبحث عن الهاتف وقت الآذان لأطمئن حبيبى بأن طعامه قد راح لأحبابه سرًا كما كان يفعل، وليبدأ هو إفطاره سعيدًا مهللًا مع تكبيرات المغرب، كنت أطمأن نفسى بهذه الرنات من التليفون لكنه لم يرد على، وتصلبت قدماى وتوقف قلبى الذى إنتُزع من فؤاده، وكأننى سمعتها، جهرًا راحت رصاصة إلى حلقه معلنة إفطاره فى الجنة!.

بفخر وعزة تحكى الزوجة البطلة السيدة إيمان:"... أنا زوجة عادل عبدالحميد عيد حسن، البطل من مواليد ٢٧-١٢-١٩٧٩ والتحق بالكلية الحربية ١٩٩٧ وتخرج فى ١-٧-٢٠٠١ الشهيد عادل كان ضمن رجال الدفعة ٩٥ حربية، وكان من أوائل الدفعة، وقد اختار الشهيد سلاح المدرعات لاقتناعه بأنه خط المواجهة الأول فى أسلحة القوات المسلحة وذلك فى حالة حصول حرب وكانت كلماته:"... إحنا دخلنا الجيش عشان نستشهد ونموت أبطال" كما أن شعار المدرعات النصر أو الشهادة، وقد حصل الشهيد على العديد من الفرق منها فرقة مدرعات الفرقة الأساسية، والفرقة الراقية من معهد المدرعات، كما حصل الشهيد على شهادات تقدير من قائده الأعلى، قائد التشكيل المدرع، عن رفع مستوى كفاءة الوحدة فى أثناء عمله وذلك فى ١-٧-٢٠٠٥ كما حصل على ماجستير علوم عسكرية من كلية القادة والأركان بتقدير جيد جدا ١-٧-٢٠١٥ وحصل على شهادات تخصصية بتقدير امتياز ١-٧-٢٠١٥، وكما تم تكريم الشهيد عن مكافحة الإرهاب ومهاجمة بعض البؤر الإجرامية وذلك فى فبراير ٢٠١٦.
أما عن مراحله الدراسية، فهو من الحاصلين على الثانوية الأزهرية قبل التحاقه بالكلية الحربية، ووالد الشهيد هو نقيب عبد الحميد عيد حسن من أبطال القوات المسلحة، ووالدته السيدة معتوقة حسب النبى الصادق عمر، وإخوة الشهيد هم: عميد أشرف، وعميد ياسر، ومهندس محمد، ودكتور أسامة، وتامر موجه تربية فنية بالأزهر، وأولاد الشهيد هم: أحمد ومحمد والابنة أيسل.
وكانت علاقة الشهيد بأهالى المنطقة على أرقى مستوى من الانسانية، فكان محبوب من كل الناس، ومعطاء للخير لكل من حوله سواء كان على علاقة به أو لا يعرفه، فهو لم يرفض تقديم مساعدة أيًا كانت لأى من المعارف أو الجيران أو أبناء المنطقة، فكان خدومًا لأقصى درجة، ولو كلفه ذلك الوقت والجهد أو المال، فلم يبخل أبدًا ولو لمرة واحدة عن فعل الخير للناس.
وكانت علاقته بأسرته نموذجية وكأنه ملاك، وكزوج كان ونعم العشرة التى تحدث عنها الدين الإسلامى، وكان صديقًا لى يُقدم لى النُصح بمنتهى اللطف، وكان لى أخًا، وسندًا يشاركنى فى كل أمور حياتى، وكان ونعم الأب لأبنائه، والصديق لهم، وكان الأخ المحبب لإخواته، والعم الأقرب لأبناء إخواته، فى وجوده كان يعُم الفرحة والضحك دائما، وكان كثير الضحك ينشر السعادة على كل من حوله، ويحب اللعب مع أبناء إخوته، ويفرح دائمًا بتجمع العائلة، وكان دائم الود مع أهل أبيه وأمه، حتى إنه كان ودودًا لأصحاب والده وكثير الاتصال بمعارف والدته ليطمئن عليهم ويساعدهم، وكان شديد البر بوالدته حيث اعتاد على تقبيل رأسها وهى نائمة قبل الذهاب إلى العمل، وكثيرا ما يطلب منها الدعاء له، وترتسم على وجهه فرحة الأطفال عندما يسمع والدته تدعوا له، وقبيل استشهاده أصر أن يزور مع والدته مقابر الأسرة وتحدث إليها عن أمرين، الأول: تجديد هذه المقابر لاستعدادها لاستقبال ضيوف بها !، والأمر الثانى: حكى لوالدته عن حال والدة زميله الشهيد عمر، ووصف لها عن أهمية التمسك بالإيمان، والتحلى بالصبر، وإن كل أم يجب أن تفرح عند علمها بأن ابنها شهيد فى صحبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك ومع الصديقين، وهذه الزيارة كانت الأخيرة له مع والدته وكان لها وقع صعب جدا على قلب أمه التى راحت تبكى بشدة وتقول له :" لا تجزع قلبى عليك يا بنى".
وهو أيضا قد تحدث عن الشهادة مع والدى قبل خطبتى عندما سأله والدى:" ليه سلاح المدرعات كنت اخترت سلاح أسهل؟" فقال له حينها 2006:" يا عمى أنا المفروض ما دمت آمنت بدورى وواجبى تجاه بلدى أكون أول واحد أحميها بصدرى علشان كدة اخترت سلاح فى المواجهة المباشرة لأعداء الوطن حال قيام حرب لا قدر الله، وأحب أكون أول المدافعين عن بلدى وأول الشهداء" وهذا الحوار أخفاه وأسره عنى والدى، لكنه كان سببا مباشرا بإقتناع والدى بخطيبى، وبارك لنا زواجنا، لأنه إقتنع برجولة وشهامة وإخلاص ومبادئ عريسى.
وهو أيضا كان محبا لأهلى، وكثير التردد عليهم بالزيارة، حتى إنه فى إجازته الأخيرة زار أعمامى، وسلم عليهم بعناق حار وطويل، لم أفهمه إلا فيما بعد.
وفى سيناء مع رجاله كان شديد التعلق بهم يستمع لهم عن أحوالهم، ويشارك رجاله الجنود والضباط مشاكلهم، ويجتهد فى تيسير أية عقبات عند أيًا منهم، وكان دائم العمل بوحدته، فكان يقول لى :"أنا بحس أن وحدتى هى بيتى الأول، ومعاكى بيتى الثانى" فكان مهتما بزراعة أسوار الوحدة، وتجميل طرقاتها بالأزهار والورود، وكان يقول لى عندما تزهر شجيراته بالوحدة:" الحمد لله ياريتك معايا تشوفى الجنة اللى أنا فيها" وكثيرا ما يجدد فى بنايات وحدته ويجمل من مبانيها، وكان كثيرا ما يأخذ جنوده ممن عليهم الدور فى الإجازات معه فى سيارته الخاصة ويحدثنى فى التليفون وهم معه ويرسل لى منهم السلام بالإسم لكل منهم، وعندما أسأله عن سبب ذلك كان يرد:" أنا لو طولت أوصل كل واحد منهم لبيته ولأهله ولبلده كنت عملت كدة بس إنتى ح تزعلى لأن الإجازة ح تخلص وأنا بوصل رجالتى ومش ح أجى لك" ويضحك، وأضحك معه، سعيدة بحبه لرجاله، وهم من قاموا بشراء مبرد مياه صدقة جارية على روحه من حبهم له ومن رواتبهم المحدودة، كما قام البعض منهم بشراء مصاحف وطبعوا عليها اسمه كصدقة جارية على روحه، وإن دل ذلك فيدل على الحب المتبادل بين الفارس ورجاله.
وعن بداية العلاقة تحكى البطلة" أنا تعرفت عليه فى أجواء أسرية، بحكم الجيرة، وذلك فى يوليو ٢٠٠٦ وبعد أن تقدم إلى خطبتى كنت فى سعادة لا توصف فكان هو فارس أحلامى الذى وهبنى الله إياه، فكل الصفات التى كنت أحلم بها وأتمناها كانت فيه، وسريعا، وباقتناع تم الزواج فى ٢٢-٦-٢٠٠٧ وكان الشهيد بمثابة الأخ والصديق والسند لى، وكان حريص على التواجد مع أبنائه فى المناسبات، والاهتمام بكافة التفاصيل فى حياتهم، أما أيسل ابنتنا الصغرى، فكان يظن إننى أمزح معه كان يظن أننى أرسل له صور أحمد كان فى شمال سيناء ولم يعرف بولادتها إلا ثانى يوم لعدم وجود شبكة للاتصال ولم يرها إلا وهى بنت٤٠ يوم حيث تعرض زميله البديل له لإصابة ولم يتمكن من النزول فى إجازته لرؤية ابنته، وكان الشهيد شديد التعلق بابنته التى لم تتم سوى 8 شهور عند استشهاده، وتعمد شراء فستان زفاف لها، وتعمد قياسه لها فى آخر إجازة له وقال: "ما كنتش عارف إنى ها أحب بنتنا أوى كدة، ونفسى أشوفها عروسة" وللسبب هذا أصر أن يشاهد ابنته الطفلة بفستان الفرح، وهى لم تكن تتعلم الكلام حتى – حينها- لكنها نطقت "بابا" وهى فى الشهر الثامن فقط، وسبحان الله فى لطفه بحبيبى، سمعها فى إجازته تلك وكان كالطائر الفرحان محلقا بها بين ذراعيه فى حجرته وفى البيت كله فرح بنطقها له "بابا" وأصر أن ينام فى إجازته تلك الأخيرة بجوارها ليشبع منها، ويوم ولادة ابنه الأكبر كان خائف جدا عليه بسبب حدوث نزيف فى أثناء الولادة، وكانت أجمل هدية هى ولادة أحمد فى نفس يوم مولد الشهيد، أما محمد فولد على يد والده، وكنت أول مرة أرى فى عينيه دموع الفرح والقلق فى نفس الوقت كان لا يصدق نفسه.
والذكرى التى لم استطع نسيانها هى وقفة العيد قبل استشهاده، كان يحرص فى وجوده على تجميع أبناء العيلة وإحضار البلالين واللعب والضحك معهم، وكنت استمتع وأنا اراه فى غاية السعادة مع أبنائه وأبناء العيلة، وكنت أراه يعطى كل واحد من أبنائنا وأبناء إخوته حظا من الاهتمام باللعب والضحك وكأنه يودعهم كلهم معا وفى أن واحد، كأنه على علم برحيله فأراد أن يسلم على كل واحد من أبناء الأسرة الصغيرة والكبيرة.
وفى أخر إجازة له قبل الاستشهاد يوم 27 من شهر رجب حرص على أن يحضر لأبنائه ملابس العيد ولم ينس عادته معى منذ أن كنا مخطوبين فأهدانى فانوس رمضان وأصر على أن يتزين البيت به.
وبعد أن حصل الشهيد على ماچيستير العلوم العسكرية فى ٧-٢٠١٥ انتقل للعمل إلى شمال سيناء، ببئر لحفن، وكان هناك الكثير من محاولات النيل منه واغتياله من قبل التكفيريين، لأنه مع رجال القوات المسلحة اشترك فى القبض على أجهزة لاسلكى ورادارات كانت مهربة للتكفيريين من الخارج إلى سيناء لاستخدامها فى عملياتهم الهجومية ضد الجيش والشرطة، وأيضا اكتشف تجارتهم بالبشر وتهريبهم للصوماليين داخل خزانات المياه عبر الانفاق، وشارك فى تمشيط جبل الحلال، وشارك فى القبض على عناصر شديدة الخطورة منهم فكانت محاولا اغتياله إلى وصلت إلى ست محاولات قبل استشهاده فى محاولة الاغتيال السابعة له.
وهو فى سيناء كان التواصل تليفونيا معه قليل المرات أو نادر، بسبب انشغاله بعمله، ورفضه أن يشعرنى بالقلق عليه، فضلا عن كون الشبكات كانت ضعيفة فى اتمام المكالمات، ودائما ما يسود البيت حالة قلق واحيانا كنت اسمع اصوات ضرب نار خلال المكالمة وهذا ما كان يفزعنى وهو أيضا كان السبب الرئيسى فى قلة استخدامه للتليفون وهو فى سيناء، وكان يطمئننى – ضاحكا- قائلًا "الأولاد بيخوفوهم متقلقيش" وكانت مقولته عن التكفيريين والخونة "من أراد عزاً بباطل أورثه الله ذلاً بحق".
وقبل ليلة استشهاده يوم ٩-٥-٢٠١٦ تحدث إلى من خلال التليفون فى مكالمة طويلة كانت عندما تفقد الاتصال من سوء الشبكات كانت تستكمل من خلال الواتساب ثم يعاود الاتصال مرة، واخرى، وكأنه مصر على الاستمرار فى الحديث معى، وكنت مستمتعة جدا بإلحاحه فى الحديث معى، رغم صعوبة الاتصال، وتحدث معى فى امور كثيرة بدأت من اول لقاء بيننا، ثم الخطوبة، فالزواج، وعندما وصل بالحديث عن أبنائنا قال:" أنا بدعى لك ربنا يعينك على تربية الاولاد" فقلت:" وانت معايا أن شاء الله" فقال:" لا أنا عارف إنك أنت اللى ح تكملى المشوار لوحدك، وأنا ها بقى شايفك ومعاك من بعيد" واستغربت كلامه جدا وسألته:" إنت ناوى تتنقل من سيناء امتى ؟" فصمت، ولم يرد على، وعندما كررت عليه السؤال، قال:" سيناء، سيناء ديه اختيارى، خلاص، أنا مش ماشى من سيناء للأبد" وسكت، وانتظرت منه تغير الكلام، لأننى لم أرتاح لهذه اللهجة التى استشعرت منها الخوف عليه، فأنا لم اعتاد العيش بدونه، رغم بعده عنا فى سيناء، إلا إنه كان قريبا جدا منى ومن الأولاد، وأردت أن أغير الموضوع إلا إنه أصر على توصيتى بالصبر إذا حدث شىء، وتربية الأولاد على ما اتفقنا عليه معا، وانتهت المكالمة، وقلبى يتحرك من مكانه، وعقلى حائرا يراجع كل كلمة قالها حبيبى، ولم انم تلك الليلة، وحتى جاءنى الخبر، فقد خرج الشهيد صائمًا يوم الاثنين الثانى من شعبان، وتحرك مع رجاله من المجندين أو ابنائه كما كان يقول، وفى أثناء المرور على الكمائن تعرض الرتل للهجوم من التكفيريين، وكان من حظ الشهيد رصاصة غدر إصابته فى العنق، لقى ربه فى حينها شهيدا بإذن الله وهو صائم فى سيناء كما كان يدعو ربه ويتمنى منه، بعد محاولة منه فى إنقاذ اثنين من رجاله الجنود، وتلقى عنهم رصاصة الاستشهاد، ونال ما أراد مع اختياره الكبير، اختيار العمر (سيناء) وهو صائم".

1 (1)
 
1 (2)
 
1 (3)
 
1 (4)
 
1 (5)
 
1 (6)
 
1 (7)
 
1 (8)
 
1 (9)
 
1 (10)
 
1 (11)
 
1 (12)
 
1 (13)
 
1 (14)
 
1 (15)
 
1 (16)
 
1 (17)
 
1 (18)
 
1 (19)
 
1 (20)
 
1 (21)
 
1 (22)
 
1 (23)
 
1 (24)
 
1 (25)
 
1 (26)



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة