في ظل الحديث حول التوجه إلى جولة ثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وفى ظل تعقيد المشهد بعد العودة إلى غلق مضيق هرمز بعد يوم من فتحه، يبرز سؤال يشغل الجميع، وأعتقد أنه سيكون محل دراسة وتحليل من مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار، وهو ما سر صمود إيران حتى الآن غى مواجهة أساطيل وطيران الولايات المتحدة حتى الآن؟..
وهنا أود الإشارة إلى أن تعلم الدروس أمر مهم وضرورى، في ظل عالم مضطرب ويموج بالمتغيرات، لذا فإن – ظنى – أن هناك عدة أبعاد ومسائل يجب الانتباه إليها ونحن نتابع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أهمها، أن إيران لا تتعامل فى المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها نزاعًا سياسيًا أو حتى عسكريًا محدودًا، بل باعتبارها صراعًا وجوديًا مرتبطًا بفكرة الاستقلال والبقاء، خاصة بعد قطع رأس النظام باغتيال المرشد وعدد كبير من القيادات الوازنة في النظام..
الأمر الثانى، أن "رب ضارة نافعة" فإيران عانت كثيرا من العُزلة بفعل العقوبات الأمريكية والغربية، وهو ما دفعها إلى تطوير نموذج يعتمد على الاكتفاء الذاتي، سواء في الاقتصاد أو في القدرات العسكرية، وهذا النموذج لم يكن خيارًا بقدر ما كان ضرورة، لكنه تحول مع الوقت إلى عقيدة ثابتة.
عامل آخر، فى غاية الأهمية، أن عدد كبير من القادة في إيران هم في الأصل نتاج تلك العُزلة، وتكوّنت خبراتهم في ظروف قاسية جعلتهم يميلون إلى استراتيجيات تقوم على الصبر والاستنزاف، فكان الاعتماد على كل ما هو يتسبب في إرهاق الخصم بدلًا من هزيمته مباشرة، وتجسد هذا في استراتيجية الدفاع المتدرج وكذلك فيما يخص إبعاد المواجهة المباشرة عن أراضيها بتفعيل ورقة الوكلاء والذرائع أو ما يسمى بوحدة الساحات.
لكن الأخطر الآن - فى اعتقادى - وهو ما يجب أن تنتبه إليه المنطقة والولايات المتحدة، أن هذه الحرب ونجاح سياسة الاغتيالات أحدث تحولًا متسارعًا نحو تعزيز دور المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، على حساب الطابع الديني التقليدي للنظام، ما يعنى الانتقال إلى التشدد في التعامل داخليا وخارجيا، ولأن الهدف – ووبساطة – وهو الحفاظ على البقاء والاستقلال لأنه يبرر التضحيات مهما بلغت الأمر وتصاعدت الأحداث وتفاقمت الأوضاع...!!