في الوقت الذي تروج فيه ما يعرف بـ"حركة ميدان الإخوانية" في وثيقها المزعومة لفكرة أنها تؤمن بالثورة وتتبنى خطابا يربط مشروعها السياسي بمفاهيم الحراك الشعبي والتغيير عبر الشارع، تكشف ممارسات جماعة الإخوان خلال فترات مفصلية في تاريخ مصر الحديث عن تناقض واضح بين الخطاب المعلن والسلوك الفعلي، خصوصا فيما يتعلق بموقفها من التظاهر والثورة ذاتها.
فخلال عام 2012، وبعد وصول جماعة الإخوان إلى الحكم وسيطرتها على مجلس الشعب آنذاك، أعلنت قيادات بارزة داخل التنظيم رفضها الصريح لأي دعوات للتظاهر أو الاحتجاج في ذكرى أحداث يناير، واعتبرت الجماعة في حينها أن النزول إلى الشارع يمثل تعطيلا لمؤسسات الدولة ويفتقر إلى المسؤولية السياسية، داعية إلى التركيز على ما وصفته بالعمل المؤسسي بدلا من الحشد في الميادين. هذا الموقف عكس تحولا لافتا في خطاب الجماعة، التي كانت قد استفادت في مراحل سابقة من الحراك الشعبي، لكنها مع الوصول إلى السلطة تبنت خطابا أقرب إلى التهدئة ورفض الاحتجاجات.
وثيقة حركة ميدان الثورة
وفي الذكرى الثانية لثورة يناير عام 2013، تجدد الموقف ذاته ولكن بحدة أكبر، حيث هاجمت جماعة الإخوان القوى السياسية والشبابية التي دعت إلى التظاهر احتجاجا على سياسات الرئيس المعزول محمد مرسي، خصوصا في ظل تصاعد المعارضة للإعلان الدستوري الذي أصدره في نهاية عام 2012، والذي اعتبرته قوى سياسية عديدة آنذاك توسعا في صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب باقي مؤسسات الدولة، وفي المقابل، نظمت قوى معارضة فعاليات احتجاجية في ذكرى يناير، رافضة الحكم الإخواني، ما دفع الجماعة إلى تبني خطاب هجومي تجاه هذه التحركات، واتهامها بتعطيل الاستقرار.
هذا التباين بين الخطاب والممارسة لم يكن معزولا عن انتقادات جاءت من داخل دوائر محسوبة على التيار الإسلامي ذاته، حيث برزت تصريحات لافتة للقيادي السابق بالجماعة الإسلامية عاصم عبد الماجد، أحد الحلفاء التاريخيين لجماعة الإخوان في بعض المراحل، ففي تدوينة نشرها عام 2017 عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، وجه عبد الماجد انتقادات حادة للإخوان، واصفا إياهم بأنهم عنوان للضعف والفشل وأكبر مقلب شربه الشعب في تاريخه، في إشارة إلى ما اعتبره إخفاقات سياسية وتنظيمية خلال فترة حكمهم وما بعدها.

حركة ميدان
وأضاف عبد الماجد في حديثه حينها أن من الضروري إخراج قيادات الإخوان معنويا من المشهد، داعيا إلى مفاصلة واضحة مع تلك القيادات التي أصرّت على فرض رؤية بائسة على الجميع خلال سنوات ما بعد 2013.
كما أشار إلى أن الشعوب لا تنخدع بسهولة، وأنها سرعان ما تدرك طبيعة القوى السياسية، مؤكدا أن الشعب أيقن أن الإخوان أكبر مقلب شربه في تاريخه، في تعبير يعكس حجم التراجع في الصورة الذهنية للجماعة لدى بعض حلفائها السابقين.
ولم تتوقف انتقاداته عند هذا الحد، بل ذهب إلى التأكيد على أن الجماهير لا يملأ عينها الضعيف، وأنها لا تميز بين قيادات الجماعة وقواعدها عند تقييم التجربة السياسية، معتبرا أن الإخوان أصبحوا في نظر قطاع واسع من الناس عنوانا للضعف والفشل السياسي.
هذا التناقض بين الخطاب المعلن لبعض الكيانات المرتبطة فكريا أو تنظيميا بمحيط الإخوان، وبين مواقف الجماعة في لحظات السلطة والمعارضة، يفتح بابا واسعا للنقاش حول طبيعة الخطاب السياسي لهذه التيارات، وحدود تحولاته بين التوظيف الثوري عند الحاجة ورفض أدواته عند الوصول إلى السلطة.
كما يعكس ذلك إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة هذه التنظيمات بمفهوم الثورة ذاته، إذ يظهر من خلال الوقائع أن الموقف من الشارع والتظاهر لم يكن ثابتا، بل ارتبط بالسياق السياسي وموقع الجماعة من السلطة، ما بين دعم الحراك عندما يكون خارج الحكم، ورفضه عندما يصبح مصدر ضغط على السلطة القائمة.