عندما تراه في فيلم "الأستاذة فاطمة" مؤدياً دور الأب الذى يتعلم الهجاء ويتهته في قراءة الحروف والكلمات توقن بأنه " أمى" لا يعرف القراءة أو الكتابة، أو أنه بالكاد يفك الخط، وعندما شاهده في أدوار الحانوتى وابن البلد والمعلم حنفى شيخ الصيادين، لا يساورك شك في أنه ابن بلد من منطقة شعبية وطبقة بسيطة.
هكذا صدقنا الفنان الكبير عبدالفتاح القصرى صاروخ الكوميديا صاحب البصمة المميزة الذى تعشقه كل الأجيال وتحفظ إيفيهاته وطريقته المتفردة في أداء أدواره، "نورماندى تو، أنا جنب منك أبقى مارلين مونور، انتى ست انتى، ده انتى ست اشهر، يا صفايح الزبدة السايحة، كلمتى لا يمكن تنزل الأرض أبدًا.. خلاص هتنزل المرة دى، ومرافعته الشهيرة فى فيلم الأستاذة فاطمة"، وغيرها من عبارات لاتزال راسخة فى الأذهان ولكن مالا يعرفه الكثيرون أن القصرى تعلم في مدارس اللغات وعمل مترجماً لبعض الروايات في مسرح جورج أبيض.
ولد الفنان الكبير في مثل هذا اليوم الموافق 15 أبريل واختلفت المصادر حول سنة ميلاده، فبينما أشارت ابنة شقيقه نجلاء القصرى في حوار أجريناه معها إلى أن عمها مولود عام 1905، يؤكد الكاتب والمؤرخ الفني ماهر زهدى طبقًا لما ذكره في تناوله لحياة القصري أنه ولد عام 1897.
كانت عائلة القصرى تعمل في الصاغة ويمتلك أفرادها ومنهم والده فؤاد القصري محلات ذهب في الجمالية، وجده كان يتمنى أن يرى حفيدًا في أسرة قليلة الإنجاب ليمتد به اسمه ويرث صنعة أجداده في تجارة الذهب، وكان ميلاد عبدالفتاح القصري يوم فرح للعائلة خاصة الجد، ليصبح الحفيد المدلل المولود وفي فمه ملعقة من ذهب.
ارتبط عبد الفتاح القصري بجدّه ومنطقته ارتباطًا شديدًا منذ طفولته، فاختلط بأولاد البلد والتجار والباعة وأصبح يتحدث ويتصرف مثلهم، ويرتدي الجلباب مثلهم ومثل جدّه وأراد والده أن يلحقه بإحدى المدارس التي يتعلم فيها أبناء الطبقة الراقية فألحقه بمدرسة الفرير الفرنسية ورغم تفوقه في الدراسة إلا أنه كان دائم التأخر عن المدرسة بسبب سهره مع أصدقائه على المقاهي، واستمر في المدرسة حتى أتقن اللغة الإنجليزية والفرنسية، ثم حسم أمره بعدم الرغبة في استكمال دراسته.
تعرّف «القصري» على عدد من فناني المسرح وعشق الفن والتمثيل وبدأت محاولاته لاحتراف الفن، فالتحق بعدد من الفرق المسرحية ومنها فرقة فوزي الجزايرلي، وعبدالرحمن رشدي، ولكن هذه الفرق تعثرت وواجهت بعض المشاكل.
وعندما تقدم للعمل بفرقة جورج أبيض، تحمس له صاحبها بعد أن عرف إتقانه للغات وقدرته على ترجمة المسرحيات، وبالفعل ساعد القصرى في ترجمة بعض المسرحيات، حتى أعطاه جورج أبيض دور العراف الأعمى في مسرحية "أوديب ملكاً".
وقف القصرى على خشبة المسرح أمام جورج أبيض، وكان المفترض أن يقول أوديب للعراف الذي وصفه بالقاتل «صهٍ يابن الجحيم»، ويأتي الدور على العراف عبدالفتاح القصري الذي أراد التجويد فردّ بصوته وطريقته المميزة «واحسرتااااه أنا تقوللي صهٍ»، فانفجر الجمهور ضحكًا، وارتبك جورج أبيض وغضب بعدما أخرجه القصري من حالة الاندماج مع الشخصية، فأمر بإغلاق الستار، وانفعل على القصري في الكواليس ووصفه بالفاشل وأنه لن يكون ممثلًا أبدًا.
تعجب القصري لأنه ظن أن ضحك الجمهور معناه نجاحه، فازداد انفعال جورج أبيض وصفع القصري على وجهه وطرده من المسرح، -طبقا لما ذكره الكاتب ماهر زهدى- وصدرت الصحف في اليوم التالي لتتحدث عن واقعة ضرب جورج أبيض لممثل مبتدئ أفسد العرض المسرحي، واعتقد القصري أن هذه الصفعة كتبت نهاية مشواره الفني القصير ولن تقبله أي فرقة مسرحية بعدما انتشرت تفاصيل الواقعة وحكم عليه جورج أبيض بالفشل.
لم يكن القصري يعلم أن هذه الواقعة ستكون سببًا في انطلاقه الفني، وسوف ترسم خارطة طريقه ليكون أحد عمالقة الكوميديا، فبمجرد أن سمع نجيب الريحاني بأن فنانًا مغمورًا طرده جورج أبيض لأنه أضحك الجمهور بدلًا من أن يبكيه، بحث الريحاني عن هذا المغمور ليضمّه إلى فرقته، وبعدما عثر عليه وقّع معه عقدًا للعمل في فرقته، ليبدأ مشوار نجومية القصرى في عالم الكوميديا.