في تناقض لافت بين الخطاب المعلن والواقع الداخلي، كشفت وثيقة صادرة عن حركة "ميدان" المنبثقة عن الإخوان، ما وصفته بـ"سياسات العمل" التي تقوم على التخصص والشورى واللامركزية، باعتبارها أسسا لضمان الكفاءة والانفتاح وتعدد الآراء، غير أن اعترافات صادرة عن قيادات بارزة داخل الجماعة نفسها، جاءت لتقوض هذه المزاعم، وتكشف عن فجوة واسعة بين ما يُروج له نظريا وما يُمارس فعليا على الأرض.

وثيقة سياسات العمل داخل الجماعة
ففي الوثيقة، زعمت الحركة أنها تتبنى مبدأ "التخصص" باعتباره وسيلة للخروج من "الضيق إلى السعة"، دون تحميل الأفراد ما لا يطيقون، مع الاعتماد على أهل الخبرة والكفاءة، كما أكدت التزامها بمبدأ "الشورى" بوصفه الضامن للخروج من الاستبداد بالرأي إلى تكامل وجهات النظر، فضلا عن "اللامركزية" التي تتيح تعدد المسارات وتسهم في صناعة قيادات جديدة، وتمنح العمل مرونة وسرعة في الأداء.

غير أن هذه الصورة المثالية سرعان ما تتهاوى أمام اعترافات صريحة لقيادات إخوانية، على رأسهم جمال حشمت، عضو مجلس شورى الجماعة، الذي أقر بأن قرار الدفع بمرشح رئاسي في انتخابات 2012 كان "خطأ"، وكذلك سياسة الحشد لصالح الرئيس الأسبق محمد مرسي، مؤكدا أن الجماعة لم تكن تمتلك أجندة واضحة لإدارة الدولة بعد ثورة يناير، وهذا الاعتراف يضرب في الصميم فكرة "التخصص" التي ادعتها الوثيقة، إذ يكشف عن غياب الرؤية والتخطيط لدى من يفترض أنهم أصحاب القرار والخبرة.
ولم تتوقف التناقضات عند هذا الحد، بل امتدت إلى مبدأ "الشورى"، حيث كشف حشمت عن أزمة حقيقية داخل الجماعة تتعلق بندرة المعلومات واحتكارها حتى على أعلى المستويات القيادية، وهو ما يتنافى تماما مع مفهوم تداول الآراء واتخاذ القرار الجماعي، وأوضح أن هذا النمط من الإدارة، المستمد من طبيعة التنظيمات السرية، أدى إلى حالة من الغموض والارتباك، وأفقد القيادات القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة حقيقية بالواقع.

أما على صعيد "اللامركزية"، فقد فضحت اعترافات أخرى حالة العشوائية التي سادت داخل الجماعة، إذ أقر حشمت بغياب أي أجندة ثورية أو أولويات واضحة بعد عام 2011، سواء في البرلمان أو في المؤسسات المختلفة، ما يعكس مركزية مشوشة تفتقر للتخطيط، بدلا من اللامركزية المنظمة التي تدعيها الوثيقة.
وفي السياق ذاته، جاءت اعترافات الداعية الإخواني عصام تليمة لتضيف بعدا آخر من التناقض، حيث كشف عن ممارسات داخلية تتسم بالتضييق والهجوم على كل من يوجه النقد، عبر ما وصفه بـ"اللجان الإلكترونية" التي تمارس الإساءة والتشويه، كما أشار إلى وجود مظالم داخل الكيانات الإعلامية التابعة للجماعة، في ظل صمت أو تواطؤ من البعض، وهو ما يتنافى مع القيم التي تزعمها الوثيقة حول العدالة وتكامل الآراء.
ولفت تليمة خلال اعترافاته إلى خوف بعض القيادات من توثيق التجربة أو تدوينها، خشية المحاسبة، وهو ما يعكس غياب الشفافية، ويتناقض مع أي ادعاء بوجود بيئة تنظيمية صحية تقوم على النقد والمراجعة.

من جانب آخر، كشفت تصريحات لقيادات أخرى، مثل مجدي شلش، عن غياب الرؤية خلال اعتصام رابعة، مؤكدا أن القيادات دفعت بالشباب دون استعداد حقيقي أو خطة واضحة، وهو ما وصفه بأنه خطأ جسيم أدى إلى نتائج كارثية، هذه الشهادة تعكس مرة أخرى غياب التخطيط المؤسسي، وتناقضًا واضحًا مع ما تروج له الوثيقة من سياسات عمل قائمة على الكفاءة والتنظيم.
في المجمل، تكشف هذه الشهادات والاعترافات عن فجوة عميقة بين الخطاب النظري الذي تروج له حركة "ميدان"، والواقع العملي داخل جماعة الإخوان، حيث تغيب الشفافية، وتُحتكر المعلومات، وتُدار الأمور بعشوائية، ما يضع علامات استفهام كبرى حول مصداقية هذه الوثائق، وقدرتها على عكس حقيقة ما يجري داخل التنظيم.