بدأ رئيس الوزراء المجري المنتظر، بيتر ماجيار، تحركات مكثفة لإعادة ضبط علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، في محاولة عاجلة لإنهاء سنوات من التوتر مع بروكسل، واستعادة مليارات اليورو من الأموال المجمدة، وذلك عقب فوزه في الانتخابات الأخيرة التي أنهت حقبة سياسية طويلة لرئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان.
وبحسب تحركاته الأولية، يسعى ماجيار إلى إبرام ما يمكن وصفه بـصفقة سياسية شاملة مع الاتحاد الأوروبي، تقوم على تنفيذ إصلاحات داخلية مقابل الإفراج عن التمويل الأوروبي، في وقت تواجه فيه بودابست ضغوطًا زمنية حادة قد تحرمها من جزء كبير من هذه الأموال إذا لم تنجز الإصلاحات المطلوبة بحلول أغسطس المقبل.
اتصالات مبكرة مع بروكسل
ورغم أنه لم يتول منصبه رسميًا بعد، حيث يتوقع أن يبدأ مهامه مطلع مايو، بادر ماجيار بالفعل بإجراء اتصالات مباشرة مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في خطوة تعكس رغبته في فتح صفحة جديدة مع بروكسل بعد سنوات من الخلافات الحادة.
وأكد ماجيار أن أولويته القصوى تتمثل في استعادة نحو 18 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي المجمدة بسبب انتهاكات تتعلق بسيادة القانون خلال فترة حكم أوربان، إلى جانب السعي للحصول على قروض دفاعية إضافية تقدر بنحو 16 مليار يورو، فضلًا عن إنهاء الغرامات اليومية المفروضة على المجر بسبب سياساتها في ملف الهجرة.
شروط أوروبية صارمة
ولا تبدو بروكسل مستعدة لتقديم تنازلات مجانية، إذ تشترط تنفيذ حزمة من الإصلاحات الجوهرية، تشمل تعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وضمان حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية.
كما تضغط مؤسسات الاتحاد الأوروبي على الحكومة المجرية الجديدة لاتخاذ مواقف أكثر توافقًا مع سياسات التكتل، خاصة فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، حيث تطالب بروكسل بودابست بالتخلي عن استخدام حق النقض (الفيتو) في القضايا المتعلقة بدعم كييف، والموافقة على حزم العقوبات الجديدة ضد روسيا.
مؤشرات مرونة من ماجيار
وفي مؤشر على استعداده لتقديم تنازلات، ألمح ماجيار إلى أنه لن يعرقل حزمة مساعدات أوروبية لأوكرانيا تقدر بنحو 90 مليار يورو، مؤكدًا التزام بلاده بالاتفاقات السابقة داخل المجلس الأوروبي.
كما أبدى انفتاحًا على دعم مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وإن كان بشروط تعتمد على الجدارة وليس التسريع، في محاولة لتحقيق توازن بين مطالب بروكسل والاعتبارات الداخلية في المجر، حيث لا يزال ملف أوكرانيا قضية حساسة لدى الرأي العام.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن بلاده لا تزال ترغب في استمرار استيراد النفط الروسي، وهو ما يعكس استمرار بعض نقاط الخلاف مع الاتحاد الأوروبي، رغم تأكيده دعم العقوبات المفروضة على موسكو في إطار الحرب الجارية.
سباق مع الزمن
ويواجه ماجيار ضغوطًا كبيرة لتسريع وتيرة الإصلاحات، خاصة مع اقتراب موعد حاسم في أغسطس، حيث قد تفقد المجر جزءًا كبيرًا من التمويل الأوروبي إذا لم تلتزم بالشروط المطلوبة.
وفي هذا السياق، أعلن ماجيار عزمه تشكيل الحكومة الجديدة في أسرع وقت ممكن، مطالبًا بتقديم موعد انعقاد البرلمان إلى الخامس من مايو بدلًا من الثاني عشر، بهدف تسريع اعتماد حزمة الإصلاحات وإرسال إشارات إيجابية إلى بروكسل.
الاستفادة من التجربة البولندية
ويعتزم ماجيار أن تكون أول زيارة خارجية له إلى بولندا، حيث يسعى للاستفادة من تجربة رئيس الوزراء دونالد توسك، الذي نجح في استعادة أكثر من 100 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي بعد تنفيذ إصلاحات مماثلة.
وتعد التجربة البولندية نموذجًا مهمًا، رغم ما واجهته من عقبات داخلية، حيث أصبحت بروكسل أكثر حذرًا في الإفراج عن الأموال قبل التحقق من تنفيذ الإصلاحات بشكل فعلي، وهو ما قد يحدّ من فرص حصول المجر على دفعات مالية سريعة.
أغلبية برلمانية داعمة
ويعتمد ماجيار في تنفيذ خطته على امتلاكه أغلبية برلمانية قوية تصل إلى ثلثي المقاعد، ما يمنحه القدرة على تمرير التشريعات المطلوبة دون عراقيل تذكر، على عكس تجارب أوروبية أخرى شهدت صراعات بين مؤسسات الحكم.
وأكد ماجيار أن هذه الأغلبية تمنحه "تفويضًا واضحًا" لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، مشددًا على التزامه بإعادة بناء الثقة مع الاتحاد الأوروبي.
ملف سيادة القانون تحت المجهر
وفي سياق متصل، لا تزال المجر خاضعة لإجراءات المادة السابعة من معاهدات الاتحاد الأوروبي، والتي قد تؤدي إلى تعليق حقوق التصويت الخاصة بها داخل التكتل، بسبب المخاوف المتعلقة بسيادة القانون.
ومن المقرر أن يعاد تقييم وضع المجر خلال اجتماع أوروبي مرتقب نهاية مايو، في اختبار مبكر لمدى جدية الحكومة الجديدة في تنفيذ التزاماتها.