في مشهد انتخابي لافت، لم يكن اختيار ملعب كرة القدم لإطلاق حملة دعم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان مجرد صدفة، بل يعكس استراتيجية ممتدة اعتمد عليها الرجل لسنوات، جعلت من اللعبة الشعبية الأولى أداة سياسية فعالة في تعزيز نفوذه داخليًا وخارجيًا، بالتوازي مع دعم أمريكي واضح خلال الانتخابات الحالية المنعقدة يوم 12 أبريل، والتى تحسم استمرار أوربان أو صعود المعارضة لأول مرة منذ سنوات طويلة.
كرة القدم.. من شغف شخصي إلى أداة حكم
يعرف أوربان بولعه الشديد بكرة القدم، لكن هذا الشغف تجاوز حدود الهواية ليصبح جزءًا من مشروعه السياسي، فبحسب خبراء، تحولت الملاعب والأندية إلى شبكة نفوذ مترابطة تخدم حزب «فيدس» الحاكم، خاصة في المناطق الريفية.
وقال غيوزو مولنار، أستاذ علم اجتماع الرياضة بجامعة ووستر لشبكة دويتش فيه الألمانية، إن الملعب هو الساحة المفضلة لدى أوربان بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، موضحًا أن شبكة الأندية والأكاديميات الرياضية تمثل نظام محسوبية يربط المجتمعات المحلية بالنخب السياسية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على نتائج الانتخابات.
ولا يقتصر هذا النفوذ على نادٍ بعينه، رغم العلاقة الوثيقة مع نادي فيرينكفاروش، أحد أكبر الأندية في البلاد، بل يمتد إلى كافة أندية الدرجة الأولى تقريبًا، عبر التمويل أو التعيينات أو المصالح المشتركة مع أجهزة الدولة.
أموال ضخمة.. واستثمارات تثير الجدل
أحد أبرز أدوات هذا النفوذ هو برنامج « TAO » الذي أُطلق عام 2011، ويسمح للشركات بخصم تبرعاتها للأندية الرياضية من الضرائب، أحيانًا بنسبة تصل إلى 100%، هذا البرنامج ضخ مليارات الدولارات في قطاع كرة القدم، لكنه أثار انتقادات واسعة، خاصة مع اتهامات بتوجيه العقود إلى مقربين من الحكومة.
ورغم ذلك، دافع أوربان عن هذه السياسة في تصريحات سابقة، مؤكدًا أن الاستثمار في الرياضة والبنية التحتية أمر طبيعي ، خاصة عندما يتعلق بتشجيع الأطفال على ممارسة الرياضة.
تصدير النفوذ خارج الحدود
لم يتوقف المشروع عند الداخل المجري، بل امتد إلى دول الجوار مثل رومانيا وسلوفاكيا وصربيا، هذه الاستثمارات لم تكن رياضية فقط، بل حملت أبعادًا سياسية واضحة، خاصة مع منح المجريين في الخارج حق التصويت منذ عام 2010.
ويؤكد مولنار أن دعم البنية التحتية لكرة القدم في هذه المجتمعات يعزز رسالة أن حكومة أوربان تهتم بالمجريين خارج الحدود ، وهو ما يترجم إلى أصوات انتخابية داعمة لحزب فيدس.
«بوشكاش أكاديميا».. مشروع أوربان المفضل
من أبرز رموز هذا التداخل بين السياسة والرياضة، نادي «بوشكاش أكاديميا»، الذي أسسه أوربان نفسه عام 2007، ويحمل اسم أسطورة الكرة المجرية فيرينك بوشكاش.
ويعد النادي، إلى جانب ملعبه "بانشو أرينا"، مثالًا واضحًا على حجم الاستثمارات الحكومية في كرة القدم، حيث يتسع الملعب لعدد يفوق سكان البلدة نفسها التي يقع فيها، ما يعكس الانتقادات الموجهة لسياسات الإنفاق.
دعم أمريكي لافت.. لماذا حضر فانس إلى بودابست؟
وعلى الجانب السياسي الدولي، برزت الولايات المتحدة كلاعب مؤثر في المشهد الانتخابي، مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى العاصمة بودابست.
وخلال زيارته، ألقى فانس خطابًا انتخابيًا داخل ملعب «غروباما أرينا»، دعم فيه أوربان ووصفه بـالرائع ، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة سياسية واضحة، ليس فقط لدعم الحليف المجري، بل أيضًا لمهاجمة الاتحاد الأوروبي.
وجاء الخطاب ضمن جولة ترويجية، ركز على انتقاد سياسات بروكسل، ما يعكس تقاربًا في الرؤى بين الإدارة الأمريكية الحالية وحكومة أوربان، خاصة فيما يتعلق بالقضايا السيادية والهجرة.
ويرى محللون، أن اختيار الملعب كموقع للخطاب لم يكن عشوائيًا، بل يعكس إدراكًا لأهمية كرة القدم كوسيلة للتأثير الجماهيري في المجر.
سردية قومية عبر المنتخب
ولم تقتصر استراتيجية أوربان على الأندية، بل شملت أيضًا المنتخب الوطني، حيث تم توظيف نتائجه وتاريخه في بناء خطاب قومي.
ويقول ديفيد غولدبلات، أستاذ علم الاجتماع، إن أوربان استخدم قصة تراجع كرة القدم المجرية بعد الحقبة الذهبية، خاصة بعد خسارة نهائي كأس العالم 1954، لبناء رواية سياسية تقوم على استعادة «عظمة المجر».
نهائي دوري الأبطال.. لحظة الحسم
تتجه الأنظار أيضًا إلى ملعب «بوشكاش أرينا» في بودابست، الذي سيستضيف نهائي دوري أبطال أوروبا في 30 مايو، وهو الحدث الذي يراه أوربان تتويجًا لمشروعه الرياضي.
لكن هذه اللحظة قد تتحول إلى خسارة رمزية، إذا خسر الانتخابات، حيث سينسب هذا الإنجاز إلى حكومة جديدة.
ماذا بعد الانتخابات؟
مع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو كرة القدم أكثر من مجرد لعبة في المجر، بل أداة سياسية متكاملة ساهمت في ترسيخ حكم أوربان على مدار أكثر من عقد.
و يؤكد مولنار أن نتائج الانتخابات لن تحدد فقط مستقبل الحكم، بل ستكشف أيضًا ما إذا كان بالإمكان تفكيك هذا النموذج الذي يدمج بين الرياضة والسياسة.
وبين دعم أمريكي واضح، وشبكة نفوذ رياضية واسعة، يبقى السؤال: هل تنجح كرة القدم مجددًا في إنقاذ أوربان، أم أن الناخب المجري سيكسر هذه المعادلة؟