تُعد مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية من أولى القلاع الرومانية التي سقطت في يد المسلمين، وقد دخلها عمرو بن العاص بذكاء عسكري ملحوظ، رغم الفارق الكبير في عدد القوات، حيث تمكن جيش قوامه نحو 4 آلاف مقاتل من هزيمة جيش روماني يُقدّر بعشرات الآلاف.
وفي قلب بلبيس، يقف مسجد سادات قريش شامخًا كواحد من أقدم الشواهد المعمارية الإسلامية في مصر، ليس مجرد مكان للعبادة، بل سجلٌّ حيٌّ لمرحلة مفصلية في تاريخ الفتح الإسلامي، وذاكرة تحتضن بطولات الصحابة والتابعين منذ ما يقرب من أربعة عشر قرنًا.
ارتبط اسم المسجد بأحداث الفتح الإسلامي لمصر، حيث شهدت منطقة بلبيس واحدة من أبرز المعارك بين جيش المسلمين بقيادة الصحابي عمرو بن العاص، وقوات الرومان، وأسفرت هذه المعركة عن استشهاد نحو 250 مقاتلًا من المسلمين، من بينهم 40 من الصحابة و210 من التابعين، دُفنوا في محيط المسجد.
ومن هنا جاء اسم "سادات قريش"، تكريمًا لهؤلاء الشهداء الذين ينتمون إلى قبيلة قريش، وتخليدًا لتضحياتهم في نشر الإسلام، ورغم شيوع تسمية "سادات قريش" نسبة إلى شهداء المعركة، تشير روايات أخرى إلى أن الاسم قد يكون مرتبطًا بآل بيت النبي ﷺ الذين مروا بالمنطقة، خاصة مع إقامة السيدة زينب في المسجد، ما يفتح الباب أمام تعدد الروايات التاريخية حول أصل التسمية.
وتشير روايات تاريخية إلى أن المسجد تأسس عام 18 هجريًا على يد عمرو بن العاص، ويذهب عدد من المؤرخين إلى اعتباره أول مسجد بُني في مصر، وربما في قارة أفريقيا، قبل مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط.
وقد دعمت هذا الرأي شخصيات أكاديمية بارزة، من بينها الدكتورة سعاد ماهر، والبروفيسور فرانسوا ألبريت، ما يعزز من القيمة التاريخية الفريدة للمسجد.
وارتبط المسجد بمحطات إنسانية وتاريخية مهمة، أبرزها إقامة السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها فيه لمدة شهر عقب قدومها إلى مصر بعد أحداث كربلاء، حيث شهد المكان لحظات من الحزن والصبر في تاريخ آل البيت، كما مرّ المسجد بعدة مراحل من الترميم، منها: إقامة الخليفة العباسي المأمون فيه لمدة 40 يومًا وأمر بتجديده، تجديده في عهد الأمير مصطفى الكاشف عام 1002هـ، حيث شُيّدت مئذنته الشهيرة